رحلة ألم واحدة جمعت الأب والابنة… كيف تشابهت النهاية بين وابنته دينا بعد 15 عامًا

فتحي الضبع 

في واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا داخل الوسط الفني، تتقاطع مصائر الأب والابنة في مشهد يبدو وكأنه كُتب بحزن شديد مسبقًا. حكاية الفنان وابنته الراحلة دينا ليست مجرد قصة فقد، بل رحلة طويلة من الألم، الصبر، والتشابه الموجع في التفاصيل.

البداية كانت هادئة، كأي عرض صحي عابر. شعر هاني شاكر ببعض المتاعب في القولون، لم تكن مقلقة في ظاهرها، لكنها أخذت تتصاعد تدريجيًا. تنقل بين الأطباء في القاهرة، وخضع لفحوصات عديدة، لكن حالته لم تتحسن، بل ازدادت سوءًا يومًا بعد يوم، حتى أصبح غير قادر على الوقوف.

ومع تدهور حالته، قررت أسرته، وعلى رأسهم زوجته نهلة توفيق وابنه شريف، اتخاذ قرار السفر إلى باريس، أملًا في إنقاذه. هناك، دخل أحد المستشفيات الكبرى، بعد أن تعرض لمضاعفات خطيرة، أبرزها نزيف حاد استدعى تدخلات طبية دقيقة، تلتها رحلة علاج مكثفة داخل العناية المركزة.

على مدار أسبوعين، تمسكت الأسرة بخيط أمل رفيع. أُجريت له عملية استئصال كامل للقولون، لكن حالته تدهورت بشكل مفاجئ في ساعاته الأخيرة، حيث توقفت بعض وظائف جسده، وتم وضعه على أجهزة التنفس الصناعي… قبل أن يرحل في صمت، بعيدًا عن جمهوره الذي لم يكن يعلم شيئًا عن معاناته.

لكن القصة لا تبدأ هنا… بل تعود إلى 15 عامًا مضت.

دينا، الابنة الكبرى لهاني شاكر، كانت الأقرب إلى قلبه. شابة وُلدت عام 1984، عاشت حياة طبيعية، تخرجت، تزوجت، وأنجبت توأمها مجدي ومليكة. لكن بعد الولادة، بدأت تشعر بإرهاق متكرر. ظنته في البداية أمرًا عابرًا، لكنه كان بداية لمواجهة أصعب.

بعد الكشف الطبي، جاءت الصدمة: إصابتها بمرض خبيث في القولون. كانت في السابعة والعشرين فقط.


دخلت دينا في رحلة علاج استمرت أربع سنوات، تنقلت خلالها بين مصر وأوروبا، محاولة التمسك بالحياة. وفي تلك الفترة، توقف والدها عن الغناء لأكثر من عام ونصف، مكرسًا وقته بالكامل بجانبها، يرافقها في كل خطوة، في كل مستشفى، وفي كل أمل مؤجل.

لكن المرض كان أقوى. وفي عام 2011، رحلت دينا فجأة، قبل أن تبدأ رحلة علاج جديدة كانت مقررة في الصين.

قبل رحيلها بأيام، أوصت والدها بأطفالها، وطلبت منه ألا يترك الغناء… وكأنها كانت تودعه بطريقتها.

رحيلها ترك جرحًا عميقًا في قلب هاني شاكر، الذي دخل في حالة حزن طويلة، وابتعد عن الأضواء. لكنه عاد لاحقًا، وغنى لها في ذكراها الأولى، وظل يحيي اسمها كل عام، بكلمات حزينة ودموع لا تخفى.

كان يقول دائمًا إن جزءًا منه رحل معها… وإن حفيديه هما العزاء الوحيد الذي أبقاه واقفًا.

المفارقة المؤلمة أن رحلة الأب جاءت شبيهة بشكل لافت برحلة الابنة. نفس المرض تقريبًا، نفس مسار العلاج بين مصر وأوروبا، ونفس النهاية التي لم تمهلهما طويلًا.

دينا سافرت للعلاج في فرنسا، وعادت إلى مصر قبل وفاتها بأسابيع قليلة. أما هاني شاكر، فسلك الطريق ذاته، لكنه لم يعد هذه المرة.

بين الرحلتين، خمسة عشر عامًا من الحنين، الألم، والذكريات… وكأن القدر قرر أن يعيد القصة من جديد، ولكن هذه المرة من زاوية أخرى.

رحل الأب، ليُغلق دائرة لم تكتمل منذ سنوات، وربما ليجتمع بابنته التي لم تغب يومًا عن قلبه.

تبقى القصة شاهدًا على أن بعض الآلام لا تنتهي، بل تتوارثها القلوب… حتى تلتقي من جديد.