“من قبرص إلى الأرجنتين” كيف تُثار المخاوف حول التغلغل الإسرائيلي وشراء الأراضي حول العالم؟
بين الوقائع الاقتصادية ونظريات “الاستيطان الناعم”
أعادت تقارير إعلامية ومنشورات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي فتح ملف الحضور الإسرائيلي في عدد من دول العالم، خاصة في المناطق السياحية والحدودية ذات الأهمية الاستراتيجية، وسط اتهامات تتحدث عن “تغلغل اقتصادي وديموغرافي” عبر شراء الأراضي والعقارات، وإنشاء تجمعات خاصة، وتوسيع النفوذ الثقافي والاقتصادي.
وتتصاعد هذه المخاوف في دول مثل قبرص والهند والأرجنتين، حيث تحوّلت بعض المناطق إلى نقاط جدل سياسي وشعبي، خصوصاً مع تزايد الاستثمارات الإسرائيلية أو ارتفاع أعداد السياح والمقيمين الإسرائيليين.
قبرص.. جدل حول “قرى إسرائيلية مغلقة”
أثارت قضية شراء مستثمر إسرائيلي نسبة كبيرة من منازل قرية “تروزينا” القبرصية حالة جدل واسعة داخل قبرص، بعد انتشار مزاعم تتحدث عن إنشاء “مجتمع إسرائيلي مغلق” داخل الجزيرة.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن المشروع قُدِّم رسمياً باعتباره مشروعاً سياحياً زراعياً، لكن معارضين اعتبروا أن توسع شراء العقارات من قبل إسرائيليين قد يؤدي إلى تغييرات ديموغرافية وثقافية داخل بعض المناطق القبرصية.
عضو البرلمان الأوروبي القبرصي فيدياس بانايوتو تحدث علناً عن “اعتماد متزايد على المستثمرين الإسرائيليين”، مشيراً إلى أن بعض العائلات الإسرائيلية ترسل أبناءها إلى مدارس خاصة، وتعيش ضمن مجتمعات شبه منفصلة، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً داخل المجتمع القبرصي.
الهند.. “تل أبيب الصغيرة” في جبال الهيمالايا
في الهند، وتحديداً في منطقة “دهارامكوت” قرب دارامشالا، أصبح الوجود الإسرائيلي جزءاً من المشهد السياحي المحلي، حتى أطلق البعض على المنطقة اسم “تل أبيب الهند”.
وتشير تقارير هندية إلى أن آلاف الإسرائيليين يزورون المنطقة سنوياً، بعد إنهاء الخدمة العسكرية، ما أدى إلى انتشار مطاعم ومراكز ثقافية ولافتات باللغة العبرية، إضافة إلى دور دينية ومجتمعات سياحية مرتبطة بالإسرائيليين.
ورغم أن هذا الحضور يُصنَّف رسمياً ضمن النشاط السياحي الطبيعي، فإن بعض النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن “نفوذ ثقافي واقتصادي متزايد”، خاصة في المناطق التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على السياح الإسرائيليين.
الأرجنتين.. باتاغونيا ونظرية “أندينيا”
تبقى منطقة باتاغونيا في جنوب الأرجنتين أكثر المناطق إثارة للجدل في هذا الملف، بسبب انتشار ما يُعرف بـ”خطة أندينيا”، وهي نظرية قديمة تزعم وجود مشروع لإقامة كيان يهودي في جنوب أمريكا اللاتينية.
ورغم عدم وجود أدلة رسمية تثبت هذه النظرية، فإن تصاعد شراء الأراضي من قبل مستثمرين أجانب، بينهم رجال أعمال يهود أو إسرائيليون، غذّى هذه المخاوف لدى قطاعات من الرأي العام.
وتحدثت تقارير إعلامية عن وجود مستثمرين يملكون مساحات شاسعة في باتاغونيا، من بينهم الملياردير البريطاني جو لويس، الذي يملك أراضي واسعة وبنى منشآت خاصة ومهابط طائرات، ما أثار جدلاً حول “السيادة الوطنية” والوصول إلى الموارد الطبيعية والمياه.
كما تداولت منصات إعلامية وتقارير سياسية اتهامات حول وجود جنود إسرائيليين سابقين في باتاغونيا تحت غطاء السياحة، إضافة إلى مزاعم عن شراء أراضٍ بعد حرائق الغابات الأخيرة. لكن تقارير تحقق صحفي أكدت عدم وجود أدلة رسمية تثبت مزاعم “توطين مئات الآلاف من الإسرائيليين” أو إنشاء مدينة إسرائيلية سرية في المنطقة.
شراء الأراضي.. نفوذ اقتصادي أم مشروع سياسي؟
يرى مراقبون أن شراء العقارات والأراضي من قبل مستثمرين أجانب، سواء كانوا إسرائيليين أو غيرهم، يدخل ضمن إطار العولمة والاستثمار الدولي، خصوصاً في الدول التي تسمح قوانينها بالتملك للأجانب.
لكن منتقدين يعتبرون أن التركز المكثف للاستثمارات الإسرائيلية في مناطق محددة، خاصة القريبة من الموارد الطبيعية أو الحدود، يثير تساؤلات سياسية وأمنية، ويغذي مخاوف مرتبطة بالهوية والسيادة الوطنية.
وفي المقابل، يحذر باحثون من تحويل هذه القضايا إلى “نظريات مؤامرة” أو استخدام خطاب قد يُفهم على أنه استهداف جماعي لليهود أو الإسرائيليين دون أدلة موثقة.
بين الحقيقة والشائعات
اللافت أن معظم الروايات المتداولة حول “الاستيطان الإسرائيلي” في دول العالم تعتمد على مزيج من الوقائع الحقيقية مثل شراء العقارات أو ارتفاع أعداد السياح وبين تفسيرات سياسية أو نظريات غير مثبتة.
ففي الأرجنتين مثلاً، نفت الحكومة والسفارة الإسرائيلية مزاعم تخصيص 100 ألف هكتار لإقامة مستوطنات إسرائيلية، بينما أكدت منصات تحقق أن الوثائق المتداولة غير موثقة.
ومع ذلك، يبقى ملف النفوذ الاقتصادي الأجنبي وشراء الأراضي الحساسة قضية حاضرة بقوة في النقاشات السياسية والشعبية في عدة دول، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية وضعف الرقابة على الاستثمارات العقارية الكبرى.
