من شيكاغو إلى نيويورك.. رحلة دبلوماسية خارج القوالب التقليدية
نيويورك .أحمد محارم
لم تكن المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يمنحنا فيها اللقاء بالسفير الدكتور سامح أبو العينين إحساسًا بأن الدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس بعدد الاجتماعات، ولا بما يُكتب في البيانات الرسمية، بل بقدرتها على أن تقترب من الناس، وأن ترى في الجاليات المصرية بالخارج طاقة مضافة لا مجرد ملف مؤجل.
وفي نيويورك، بدا اللقاء هذه المرة أقرب إلى مراجعة لفكرة بدأت صغيرة، ثم راحت تتسع شيئًا فشيئًا حتى صارت مشروع كتاب يحمل عنوانًا لافتًا: «كيف لا نعرفهم؟». وهو عنوان لا يلخص تجربة بعينها فقط، بل يعيد طرح سؤال قديم: كيف يظل هذا العدد الكبير من الطاقات المصرية في الخارج بعيدًا عن الضوء، أو خارج ما يستحقه من اهتمام وتقدير؟
الحديث مع السفير الدكتور سامح أبو العينين أعادنا إلى البدايات؛ إلى مرحلة وجوده في شيكاغو قنصلًا عامًا لمصر، حين كانت أمامه مسؤولية واسعة تمتد عبر إحدى عشرة ولاية في وسط غرب الولايات المتحدة الأمريكية. ولم تكن تلك المرحلة سهلة في بدايتها، إذ تزامنت مع فترة كوفيد، حين كانت المعاملات تُدار عن بُعد، وتفرض الظروف الصحية قيودها على الحركة والتواصل. لكن ما ميّز التجربة أنه لم يتعامل مع هذا الواقع بوصفه نهاية الطريق، بل بوصفه تحديًا يستدعي البحث عن مسار آخر.
من هنا جاءت الفكرة التي صنعت الفارق: الذهاب إلى الناس، لا انتظارهم. زيارة أماكن وجود الجالية المصرية، والاقتراب من وجوهها المختلفة، والتعرف إلى شخصياتها البارزة، لا من خلال الملفات والأوراق، بل عبر اللقاء المباشر والحوار الإنساني. وشيئًا فشيئًا بدأت تتكشف أمامنا صورة أوسع: نماذج مصرية لافتة في مجالات العلم والاقتصاد والثقافة والعمل العام، وشخصيات صنعت حضورها باجتهادها وتميزها، وتمثل قيمة كبيرة لمصر والمصريين.
ولم يكن هذا كله مجرد جهد تعارفي عابر، بل كان مدخلًا إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات والفرص؛ إذ فتحت اللقاءات التي جرت مع شخصيات وقيادات دبلوماسية واقتصادية مجالات مهمة للتعاون مع مصر، وأعادت التأكيد على أن الجاليات المصرية في الخارج ليست مجرد امتداد اجتماعي للوطن، بل يمكن أن تكون شريكًا حقيقيًا في حضوره السياسي والاقتصادي والثقافي.
ثم اتسعت الدائرة أكثر، مع انتقال السفير الدكتور سامح أبو العينين إلى مسؤوليات أوسع في ملف الأمريكيتين، لتظل نيويورك حاضرة في هذا المسار، إلى جانب مدن أخرى في الولايات المتحدة، فضلًا عن كندا. وهنا بدا واضحًا أن التجربة لم تكن مرتبطة بمنصب بعينه بقدر ما كانت مرتبطة برؤية؛ رؤية تعتبر أن التواصل مع الجاليات، والإنصات إلى أصحاب الخبرة، وبناء الجسور مع المؤسسات، هو جزء أصيل من عمل الدولة الحديثة، لا هامشًا عليه.
وفي هذا السياق، جاء اللقاء في »كافيه الأصدقاء«، مقر المركز الثقافي المصري الأمريكي في مانهاتن، ليضيف بعدًا آخر إلى الصورة. فالمكان الذي احتضن عبر السنوات لقاءات ثقافية وفنية متعددة، بدا هذه المرة شاهدًا على نقاش يتجاوز حدود الكتاب إلى ما هو أبعد منه: كيف يمكن تطوير الأداء؟ وكيف يمكن للجانب الثقافي أن يحضر بالصورة التي تعكس الوجه الحقيقي لمصر؟ وكيف يمكن أن يظل المصريون في الخارج على صلة حية بالوطن الأم، لا عبر الحنين وحده، بل عبر المبادرة والعمل والفكرة؟
وكانت هذه الجلسة فرصة سانحة لمراجعة أبواب الكتاب والموضوعات التي يتناولها، ومناقشة الطريقة التي يمكن من خلالها أن يخرج هذا العمل في صورة تليق بما يحمله من مادة موثقة نُشرت في أماكن عديدة، وتستحق أن تُجمع داخل إطار واحد يربط بين التجربة وبين دلالاتها الأوسع. فالكتاب هنا لا يطارد الأشخاص لذواتهم، بقدر ما يحاول أن يوثق أثر اللقاءات، ومعنى الاقتراب، وما يمكن أن تصنعه الدبلوماسية حين تنفتح على المجتمع وتمنحه ما يستحق من اهتمام.
شارك في اللقاء المهندس طارق سليمان، والأستاذ طارق أبو زيد، والكاتب الصحفي محمد السماك، إلى جانب هذه السطور التي تُكتب من موقع الشاهد والمتابع. لكن ما بقي بعد انتهاء اللقاء لم يكن فقط ما قيل حول الكتاب، بل ما أكده اللقاء نفسه من جديد: أن التجارب التي تبدأ من الإنسان، وتنحاز إلى المعرفة، وتؤمن بأن الوطن أكبر من حدوده الجغرافية، هي التجارب التي تستحق أن تُروى، وأن تُكتب، وأن تبقى.
والكتاب يمضي في هذا الطريق من أوله إلى آخره؛ من لحظة التعارف الأولى، إلى تجربة الجائحة، إلى سؤال »كيف لا نعرفهم؟«، ثم إلى شيكاغو ونيويورك واتساع الدائرة، وبعدها إلى الدبلوماسية الشاملة، وما قيل عن هذه التجربة، ثم إلى بعدها الفكري في «المساحات الصامتة»، قبل أن ينتهي إلى معنى بسيط وواضح: أن الدبلوماسية، في أفضل صورها، تبقى أقرب إلى الإنسان. ومع الصور والاقتباسات والمقالات والمواد المرجعية، يصبح الكتاب نفسه شاهدًا على هذه الرحلة

