"رماد الذاكرة"قصيدة بقلم "ماريا حنا"

 


في تلكَ المدينةِ

لم يكنِ الناس يموتونَ فجأة،

كانوا يتسربونَ من الحياةِ

ببطء…

كما يتسربُ المطرُ

من سقفِ بيت قديم.

الأبوابُ هناك

تفتحُ خوفَها قبلَ أصحابِها،

والنوافذُ

تحفظُ شكلَ الغيابِ

أكثرَ من الضوء.

في الساحاتِ

كانتِ الأشجارُ واقفة

كجنودٍ متعبين،

والعصافيرُ

لم تعدْ تغني،

كأن أحدا

أقنعها أن الأغاني

ترف في زمنِ الرماد.

الليل في تلك المدينة

لم يكن أسودَ،

بل كانَ رماديا

كوجه أم

انتظرتْ طويلا

بابا لن يعودَ أحد منه.

وكانَ الأطفال

يكبرون بسرعة غريبة،

كأنّ الطفولةَ حقيبة ثقيلة

ألقوها في منتصفِ الطريق

وأكملوا الركض.

أمّا الرجال

فكانوا يشعلون سجائرَهم

من بقايا البيوت،

ويتحدثونَ عن الغد

كما يتحدث الغرقى

عن اليابسة.

وفي آخرِ المدينة،

كانَ هناكَ نهر صغير

يمرّ حزينا

كأنّه يعرفُ

أنّ البلادَ

حين تتعب كثيرا

تتحوّلُ إلى ظلها فقط