التمكين قبل التمثيل.. رؤية متكاملة لإنشاء مجلس أعلى للمصريين بالخارج



دينا الجعفرى

أمين أمانة المصريين بالخارج...


يمثل مشروع إنشاء المجلس الأعلى للمصريين بالخارج خطوة تاريخية للانتقال من مجرد التمثيل الرمزي إلى التمكين الفعلي المستدام، خاصة مع وصول تحويلات المصريين بالخارج إلى مستويات قياسية غير مسبوقة بلغت ٤١ مليار دولار، وهو ما يعكس القيمة الاستراتيجية لملف المغتربين في مسيرة التنمية الوطنية.


لكي يتحول هذا المشروع من مجرد فكرة استشارية مؤقتة إلى كيان حقيقي يمثل طموحات المغترب، يجب أولاً أن يستند هذا المجلس إلى غطاء تشريعي يصدر بقانون رسمي ومكتوب من مجلس النواب المصري يحدد صلاحياته بدقة. كما ينبغي أن يتمتع بتبعية سياسية مباشرة تحت إشراف رئاسة مجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية لضمان إلزامية قراراته وتوصياته أمام كافة الوزارات والجهات المعنية بالدولة. ويتكامل هذا الإطار التنظيمي مع ضرورة اختيار ممثلي الجاليات عبر آلية انتخابية ديمقراطية وشفافة بالكامل، تتم عبر صناديق الاقتراع أو من خلال المنصات الرقمية المؤمنة تحت إشراف قنصلي مباشر لضمان مرجعية شرعية وحقيقية للأعضاء، وصولاً إلى منحه صلاحيات رقابية وخدمية واسعة تمكنه من مراقبة جودة الخدمات القنصلية، وتنظيم ملف شركات إلحاق العمالة لمنع التجاوزات، بالإضافة إلى المساهمة الفعالة في صياغة وتشريع القوانين التي تمس شؤون المغتربين.


إن ضمان نجاح واستدامة هذا المجلس وتسويته بالشكل الأمثل يتطلب بالضرورة توفير استقلال مالي وإداري حقيقي من خلال تخصيص موازنة مستقلة مدعومة من لجان البرلمان المختصة لحمايته من البيروقراطية المعطلة. كما يستلزم الأمر ربطه بالاستثمار الوطني عبر تأسيس شركة مساهمة وطنية تعمل تحت مظلته وتستهدف استثمار مدخرات المغتربين في قطاعات إنتاجية وتنموية مربحة داخل مصر، بالتوازي مع تفعيل نظام حوافز تفاضلية يربط مستوى التفاعل مع المجلس بمنح مزايا ملموسة ومباشرة للمغتربين مثل تيسيرات الإسكان، الإعفاءات الجمركية، وتذاكر الطيران المخفضة. ويترافق ذلك مع ضرورة الاعتماد المطلق على التحول الرقمي الشامل وتدشين منصات إلكترونية تفاعلية متطورة لإدارة طلبات الجاليات وربطها مباشرة بالمبادرات الرقمية الحيوية مثل المدارس والمنصات التعليمية بالخارج، ليكون المجلس بحق الجسر الآمن والأكثر كفاءة بين الوطن وأبنائه.


وفيما يتعلق بشروط العضوية الحاكمة داخل المجلس الأعلى للمصريين بالخارج، يتعين التركيز الدقيق على الصفة القانونية التي تشترط أن يكون العضو مصرياً متمتعاً بكامل حقوقه المدنية والسياسية ويقيم بالخارج بصفة دائمة أو منتظمة ومستقرة. ويتكامل هذا الشرط مع ضرورة تحقيق التمثيل الجغرافي العادل والموزع بالتناسب مع الحجم الفعلي للجاليات المصرية في المقاصد الرئيسية الكبرى حول العالم مثل دول الخليج العربي، وأوروبا، وأمريكا الشمالية. وأخيراً، يجب ضمان التنوع المهني والنوعي ليكون التشكيل شاملاً وممثلاً للعلماء والمستثمرين والعمالة وشباب الجيلين الثاني والثالث وممثلي الكيانات والاتحادات القائمة بالخارج، بالتوازي مع الالتزام التام بأعلى معايير الشفافية والأمانة والسيرة الذاتية والقانونية النظيفة.