من تاجر جمال إلى قائد مليشيا: حميدتي ونهاية حلم السودان

حوصر بسبب أمواله غير المشروعة، فهو مدان دولياً ولا يستطيع التنقل بحرية

فتحي الضبع 

حميدتي، الرجل الذي بدأ كحارس قوافل، يقود اليوم أقوى ميليشيا في السودان، متهمًا بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، وسط صمت دولي مريب.

في المشهد السوداني المضطرب، برز اسم الفريق أول محمد حمدان دقلو، الشهير بـ"حميدتي"، كواحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث. الرجل الذي بدأ حياته تاجراً للإبل، تمكن من الصعود إلى قمة الهرم السياسي والعسكري، ليصبح اليوم قائداً لقوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب فظائع جماعية بحق المدنيين، وسط صراع مرير على السلطة أدى إلى تقسيم البلاد فعلياً .

هذا التقرير يستعرض تفاصيل مسيرة حميدتي، ونهايته المحتملة، ودوره الميداني في القتل والتطهير العرقي.

1. الجذور: من صحراء دارفور إلى "الحامي"

يعود أصل محمد حمدان دقلو (مواليد 1974-1975) إلى قبيلة الرزيقات العربية التي تمتد بين تشاد ودارفور . انقطعت مسيرته التعليمية مبكراً، فعمل في سن المراهقة في تجارة الإبل عبر الصحراء نحو ليبيا ومصر. كانت هذه البداية المتواضعة هي بوابته إلى عالم العنف، حيث انضم إلى ميليشيا "الجنجويد" العربية في ذروة حرب دارفور (2003) .

قام نظام الرئيس السابق عمر البشير بتسليح هذه الميليشيات لقمع التمرد الذي قادته الجماعات الأفريقية غير العربية . ارتكبت هذه الميليشيات، بما فيها وحدة حميدتي، مجازر موثقة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، وثق مراقبو الاتحاد الأفريقي هجوم قواته على قرية "أدوا" ما أسفر عن مقتل 126 شخصاً، بينهم 36 طفلاً . وقد وصفت التحقيقات الأمريكية هذه الأفعال لاحقاً بأنها "إبادة جماعية" .

2. صعود المليشيا: من "الجنجويد" إلى "الدعم السريع"

لم يكن حميدتي قائد ميدان فقط، بل تبين أنه سياسي محنك و"رجل أعمال" بامتياز. أظهر ولاءً لنظام البشير، لكنه تمرد لفترة وجيزة للمطالبة بمكاسب أعلى، ليعود ويقود قوات الحكومة ضد المتمردين، ويحصل كمكافأة على السيطرة على منجم "جبل عامر" للذهب . سرعان ما أصبحت شركة عائلته "الجنيد" أكبر مصدر للذهب في السودان .

بلغت قوته ذروتها عام 2013 عندما منحه البشير الشرعية لقيادة "قوات الدعم السريع"، وهي قوة موازية للجيش تتبع للرئيس مباشرة . أطلق عليه البشير لقب "حميتي" (أي حاميي)، معتبراً إياه درعاً ضد انقلابات الجيش .

الجرائم والاتهامات

مجزرة الخرطوم (2019)

· التفاصيل: بعد سقوط البشير، استخدم حميدتي قواته لفض اعتصام قيادة الجيش.

· النتيجة: مقتل مئات المدنيين، واتهامات بارتكاب اغتصاب وإلقاء جثث في النيل .


الإبادة في غرب دارفور (2023)


· التفاصيل: استهداف هجومي لمدينة الجنينة، عاصمة المساليت، بعد اندلاع الحرب.

· النتيجة: مقتل حوالي 15,000 مدني وتصنيف الولايات المتحدة للأحداث بأنها "إبادة جماعية" .


حصار الفاشر (2024-2025)


· التفاصيل: حصار دام 18 شهراً لآخر معاقل الجيش في دارفور.

· النتيجة: مجاعة ومقتل الآلاف، مع وصول قوات حميدتي للسيطرة على المدينة .


---


3. الانقلاب على الشريك وبداية الحرب

شهد عام 2019 تحولاً كبيراً، حيث تخلص حميدتي من "راعيه" عمر البشير، وانضم إلى المجلس العسكري الانتقالي . حاول تجديد صورته كوجه جديد، لكنه سرعان ما عاد لطبعه؛ ففي 3 يونيو/حزيران 2019، قادت قواته "مجزرة فض الاعتصام" أمام القيادة العامة في الخرطوم، حيث قُتل وأُصيب وأُغتصب المئات .

استمر تحالفه الهش مع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان حتى أبريل/نيسان 2023. عندما رفض حميدتي دمج قواته الـ 100,000 مقاتل في الجيش النظامي، اندلعت الحرب في العاصمة .

4. دارفور 2.0: حملة التطهير العرقي

مع اندلاع الحرب، حول حميدتي تركيزه إلى موطنه الأصلي دارفور، حيث انكشفت أسوأ فظائع الصراع. استهدفت قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها المدنيين من قبائل "المساليط" و"الفل" و"الزغاوة" بحملة منهجية. شهدت مدينة الجنينة (غرب دارفور) مذبحة راح ضحيتها نحو 15,000 قتيل . اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية قوات حميدتي بارتكاب "إبادة جماعية" .

5. الوضع الراهن والنهاية المحتملة

يتحكم حميدتي اليوم في كامل إقليم دارفور ومعظم غرب السودان، وأعلن عن تشكيل "حكومة سلام ووحدة" موازية في مناطق سيطرته . لكن وضعه القانوني والإنساني يزداد سوءاً:

· العقوبات: فرضت الولايات المتحدة عقوبات على حميدتي ومنعته من دخول أراضيها .

· التناقضات: بينما يواصل حربه، يحاول حميدتي كسب الشرعية عبر التودد للغرب وروسيا ودول الخليج .

· سيناريو النهاية: يرى مراقبون أنه حوصر بسبب أمواله غير المشروعة، فهو مدان دولياً ولا يستطيع التنقل بحرية. تحليلات تشير إلى أنه مقبل على "نزع الأخير" لأنه أدرك أنه "لا مفر منه"، فهو "أسير أمواله غير المشروعة" .

محمد حمدان دقلو ليس مجرد قائد مليشيا، بل هو تجسيد لفشل الدولة السودانية وتدخلاتها الخارجية. بدأ تاجر جمال، ثم تحول إلى "جلاّد" دارفور، فأغنى رجل في البلاد، والآن هو متهم رئيسي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية. بينما تلوح في الأفق محاكمات دولية، يواصل الرجل حربه للسيطرة على ما تبقى من السودان، في مشهد يذكرنا بنهايات أمراء الحرب في أفريقيا، حيث النهاية غالباً ما تكون إما السجن أو المنفى أو الموت.