لغز سقوط سميرة مليان من شرفة بليغ حمدي.. الحادثة التي هزّت مصر وأنهت أسطورة السهرات الفنية
في واحدة من أكثر القضايا غموضًا وإثارة للجدل في تاريخ الوسط الفني المصري، استيقظ سكان حي الزمالك بالقاهرة فجر يوم 17 سبتمبر 1984 على حادثة مأساوية قلبت الرأي العام رأسًا على عقب، بعدما سقطت المطربة المغربية الشابة من شرفة منزل الموسيقار الشهير بليغ حمدي خلال سهرة فنية كان يقيمها داخل منزله.
الحادثة لم تكن مجرد وفاة غامضة لفنانة مغمورة تبحث عن الشهرة، بل تحولت سريعًا إلى قضية رأي عام، بعدما أحاطتها اتهامات بالاغتصاب والقتل وإقامة حفلات مشبوهة، لتضع اسم بليغ حمدي في قلب عاصفة قضائية وإعلامية استمرت سنوات طويلة.
حلم الغناء الذي انتهى بالموت
كانت سميرة مليان مطربة مغربية تحمل الجنسية الفرنسية، جاءت إلى القاهرة مدفوعة بحلم الشهرة ودخول عالم الطرب العربي. وبحسب روايات متداولة، فإن أسرتها رفضت فكرة احترافها الغناء منذ البداية، وزُوّجت في سن مبكرة على أمل أن تتخلى عن حلمها، لكنها انفصلت عن زوجها لاحقًا وسافرت إلى فرنسا، حيث بدأت الغناء في الحفلات الخاصة وسط الجاليات العربية.
هناك تعرّفت على شخص يدعى عبدالمجيد تودري، قيل إنه أوهمها بامتلاكه نفوذًا وعلاقات واسعة داخل الوسط الفني المصري، ووعدها بفتح أبواب الشهرة أمامها في القاهرة. وبالفعل، اصطحبها إلى مصر وقدّمها إلى بليغ حمدي خلال إحدى السهرات الفنية التي اعتاد الموسيقار المصري تنظيمها داخل منزله بحضور فنانين وإعلاميين وشخصيات معروفة.
الليلة الأخيرة في منزل بليغ
بحسب الشهادات والروايات التي تناولت القضية آنذاك، أحيَت سميرة جزءًا من السهرة بصوتها، ونالت إعجاب عدد من الحاضرين، بينما أبدى بليغ حمدي اهتمامًا بموهبتها الفنية.
ومع اقتراب الساعات الأولى من الصباح، أعلن بليغ للحضور شعوره بالإرهاق، وطلب التوجه إلى غرفته للنوم، في تصرف وصفه البعض لاحقًا بأنه “غير معتاد” بالنسبة لشخص معروف بعشقه للسهرات الفنية.
وبعد فترة قصيرة، دوّى صراخ داخل المنزل، ليكتشف الحاضرون سقوط سميرة مليان من شرفة الشقة إلى حديقة العقار، وهي في حالة مأساوية أثارت صدمة الجميع.
اتهامات بالجريمة.. وروايات متضاربة
منذ اللحظات الأولى، بدأت الروايات تتضارب حول ما حدث. فبينما تحدث البعض عن انتحار، ظهرت اتهامات أخرى تشير إلى احتمال تعرض سميرة للاعتداء والعنف قبل سقوطها.
كما أثيرت تساؤلات عديدة حول اختفاء عبدالمجيد تودري، الذي غادر مصر سريعًا إلى السعودية، وقيل إنه استخدم جواز سفر دبلوماسي، قبل أن يختفي تمامًا عن المشهد.
التحقيقات وضعت بليغ حمدي تحت ضغط هائل، وجرى استجوابه في القضية، كما وُجهت إليه اتهامات تتعلق بتسهيل الدعارة وإقامة حفلات مشبوهة، إلى جانب الاشتباه في تورطه بوفاة المطربة المغربية، إلا أنه تمسك ببراءته مؤكدًا أنه كان نائمًا وقت وقوع الحادث.
كيف نجا بليغ حمدي من القضية؟
القضية تحولت إلى معركة قضائية وإعلامية شرسة، دفعت بليغ حمدي إلى مغادرة مصر لعدة سنوات، تنقل خلالها بين أكثر من دولة، في وقت كانت الصحف تتناول القضية بشكل يومي وسط سيل من الشائعات والتكهنات.
ورغم الاتهامات الواسعة التي لاحقته، فإن القضاء لم يثبت بشكل قاطع تورطه في قتل سميرة مليان، كما ظلت القضية محاطة بالغموض بسبب تضارب الشهادات واختفاء بعض الأطراف المرتبطة بها.
عاد بليغ حمدي إلى مصر لاحقًا بعد انتهاء الملاحقات القانونية بحقه، لكنه — وفق مقربين منه — لم يعد الشخص نفسه بعد تلك الحادثة، إذ ابتعد عن أجواء السهرات الصاخبة التي كانت جزءًا من حياته الفنية والاجتماعية.
ابنة سميرة: “أمي قُتلت ولم تنتحر”
وبعد مرور عقود على الحادثة، لا تزال القضية حاضرة في ذاكرة الرأي العام، خصوصًا مع استمرار ابنة سميرة مليان، لبنى، في المطالبة بكشف الحقيقة.
وأكدت في أكثر من مناسبة أن والدتها لم تكن تعاني أي اضطرابات نفسية قد تدفعها للانتحار، كما رفضت الصورة التي رسمتها بعض الصحف لوالدتها آنذاك، معتبرة أنها تعرضت لحملة تشويه قاسية.
كما أشارت إلى أن تقارير التشريح — وفق روايتها — أظهرت وجود آثار عنف على الجثة، ما عزز شكوكها بوجود شبهة جنائية وراء الوفاة.
لغز لم يُكشف حتى اليوم
وبين روايات الانتحار والقتل والتصفية الغامضة، بقيت قضية سميرة مليان واحدة من أكثر الملفات غموضًا في تاريخ الفن العربي، حيث قُيدت القضية ضد مجهول، دون الوصول إلى رواية حاسمة تنهي الجدل الذي استمر لأكثر من أربعة عقود.
ورغم مرور الزمن، ما زال اسم سميرة مليان مرتبطًا بتلك الليلة الغامضة في الزمالك، الليلة التي غيّرت حياة إلى الأبد، وتركت وراءها سؤالًا لم يجد إجابة حتى الآن: ماذا حدث بالفعل داخل شقة الموسيقار الشهير؟


