حين تركع الكرامة أمام الجرافات

 


فتحي الضبع 

كانت تركع على التراب، لا لأنها ضعيفة… بل لأن الحياة دفعتها إلى آخر درجات الانكسار.
امرأة بسيطة، ربما لم تملك يومًا سوى هذا البيت المتواضع، وقفت أمام الجرافات وهي ترى عمرها يُسحب من تحت قدميها حجرًا بعد حجر. لم تكن تبكي جدرانًا، بل كانت تبكي خوفها من الغد، من الشارع، من نظرات أطفالها حين يسألونها: “إلى أين سنذهب؟”

في تلك اللحظة، لم يعد هناك فرق بين بيت وفقير، بين إنسان وركام.
كل شيء كان ينهار مع صوت الحديد والغبار.
كرامتها كانت تُسحق وهي تتوسل، وقلبها كان ينطفئ ببطء أمام أعين الجميع.

ما أقسى أن يصل الإنسان إلى مرحلة يركع فيها فقط ليحافظ على مأوى يحميه من حر الصيف وبرد الشتاء.
وما أشد وجع الفقر حين يجعل صاحبه يشعر أن صوته بلا قيمة، وأن دموعه لا توقف قرارًا، ولا توقظ رحمة.

البيت ليس أربعة جدران فقط…
البيت حضن العمر، وذاكرة الأيام، وستر الإنسان من قسوة الدنيا.
وفي كل زاوية منه حكاية تعب، ولقمة مقتصدة، وأمّ سهرت، وأب أفنى عمره حتى يبنيه.
وحين يُهدم البيت، لا يضيع السقف فقط… بل يضيع الأمان، ويتيه الإحساس بأن لهذا الإنسان مكانًا في هذا العالم.

أصعب أنواع القهر أن تُجبَر على التوسل من أجل حقٍّ بسيط:
أن تعيش بكرامة.
أن تنام دون خوف.
أن لا ترى أبناءك مشرّدين وأنت عاجز عن حمايتهم.

هذه الصورة ليست مجرد لقطة عابرة…
إنها وجع وطن كامل، وحكاية آلاف البسطاء الذين أنهكتهم الحياة حتى صاروا يخافون من فقدان آخر ما يملكون.
وفي النهاية، يبقى السؤال المؤلم:
كم مرة يجب أن ينكسر الفقير حتى يشعر به أحد؟