حين تتفكك الذات: قراءة في السلوك الإجرامي
بقلم مريم بدران
لا يمكن فهم السلوك الإنساني المنحرف بوصفه لحظة منفصلة عن السياق بل هو نتيجة تراكم طويل من التفاعلات النفسية والاجتماعية والبيئية التي تعيد تشكيل الوعي ذاته فالجريمة في كثير من الحالات ليست قرارا بسيطا بقدر ما هي ذروة انهيار داخلي معقد يتقاطع فيه الألم مع الإدراك والضغط مع التشوه النفسي ... إلخ
في النماذج الكلاسيكية لعلم الإجرام كان ينظر إلى الجريمة بوصفها فعلا صادرا عن فاعل مسؤول يمتلك وحدة نفسية متماسكة غير أن المقاربات الحديثة في علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس المرضي تظهر أن هذه الوحدة ليست دائما قائمة وأن بعض الأفراد يعيشون داخل بنيات نفسية متصدعة تتوزع فيها الدوافع والصوت الداخلي والقرار عبر حالات وعي متصارعة ، في بعض الحالات القصوى من الصدمات المبكرة مثل العنف الأسري المزمن والإهمال العاطفي أو الاعتداءات المتكررة قد لا تتشكل الذات بوصفها كيانا واحدا مستقرا بل بوصفها نظاما دفاعيا متشظيا تتناوب فيه حالات نفسية مختلفة على إدارة السلوك هنا لا يعود السؤال من ارتكب الفعل بل أي جزء من الذات كان حاضرا حينها ؟ هذا الفهم لا يهدف إلى تبرير الجريمة بل إلى تفكيك بنيتها النفسية فالفرد قد يحمل داخله صراعا بين نزعات متناقضة نزعة للحماية وأخرى للانتقام وأخرى للانسحاب وأخرى للسيطرة وعندما تفشل آليات التنظيم النفسي في توحيد هذه الأصوات ضمن هوية مستقرة يصبح السلوك الخارجي انعكاسا لهذا التفكك الداخلي .
من منظور علم النفس الحديث تفهم بعض هذه الحالات ضمن طيف الاضطرابات التفارقية حيث يشعر الفرد بانفصال بين وعيه وسلوكه أو ذاكرته أو إحساسه بالذات إلا أن التبسيط الإعلامي لهذه المفاهيم غالبا ما يشوهها فيحولها إلى صور نمطية بدل فهمها كناتج صادم لانهيار الحدود النفسية تحت ضغط التجربة الإنسانية القاسية
في المقابل لا يمكن إغفال دور البيئة، فالفقر والعنف البنيوي والتفكك الأسري والحرمان العاطفي وغيرها من الظروف تسهم في إعادة تشكيل احتمالات السلوك الإنساني، وتوجيهه نحو الصمود أو الانهيار أو الانحراف. تكمن الإشكالية في طريقة تعامل المجتمع مع هذا التعقيد، إذ قد يميل الخطاب الأخلاقي والقانوني أحيانا إلى التركيز على الفعل الإجرامي من خلال تحديد الجاني المباشر، بينما لا يحظى السياق النفسي والاجتماعي السابق للفعل بالحضور ذاته في بعض أشكال التحليل أو التناول.
إن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الحالات ليس قانونيا فقط بل فلسفيا أيضا هل الإنسان كيان ثابت يحاسب على أفعاله بوصفه وحدة مستقلة أم أنه نتاج متغير لسياقات داخلية وخارجية قد تفكك هذه الوحدة نفسها ؟
في النهاية لا يمكن اختزال الجريمة في لحظة فعل كما لا يمكن اختزال الإنسان في سلوك واحد إن فهم السلوك الإجرامي يتطلب الانتقال من منطق الإدانة السريعة إلى منطق الفهم البطيء ومن ثنائية خير وشر إلى طيف أوسع من التعقيد الإنساني ، فالإنسان في أقصى حالاته اضطرابا لا يكون وحشا خالصا ولا ملاكا نقيا بل كيانا يحاول البقاء داخل نفسه قبل أن يواجه العالم
في ضوء هذا الفهم يصبح التعامل مع السلوك الإجرامي أكثر تعقيدا من مجرد الإدانة أو التبرير بل يتطلب إعادة النظر في مفهوم المسؤولية ذاته داخل سياق نفسي واجتماعي متداخل حيث لا يكون الهدف فقط معاقبة الفعل بل فهم المسار الذي قاد إليه حتى لا يتحول الانحراف إلى حلقة تتكرر بصور مختلفة داخل المجتمع .
(هذا الطرح لا يسعى إلى نفي المسؤولية الفردية أو إلغائها، بل إلى إعادة التفكير فيها بوصفها مسؤولية تتشكل داخل سياق نفسي واجتماعي معقد، لا بوصفها قرارًا معزولًا عن تاريخ الذات وظروفها.)
مريم بدران
