قضية بحث عن مهاجر مفقود منذ 1973
يروى القصة .فتحي الضبع
إحدى زوايا الذاكرة، بقيت صورة قديمة لرجل شاب، التُقطت على ما يبدو في سبعينيات القرن الماضي. يقال إنه سافر إلى إيطاليا عام 1973، تاركًا خلفه وطنًا صغيرًا وبيتًا لم تكتمل فيه الحكايات.
اسمه كان يُتداول في العائلة: أحمد محمد درسه. لكن الاسم وحده لم يكن كافيًا لإغلاق الفراغ الذي تركه رحيله، ولا الصورة كانت كافية لتفسير الغياب الطويل.
كبر أبناؤه وهم يحملون أسئلة أكثر من ذكريات:
سارة… آنى… حسين…
أسماء تشبه محاولات متفرقة للقبض على ظلٍ بعيد.
لم يكن لديهم من والدهم سوى احتمالات:
حكايات غير مكتملة، رسائل لم تصل، وصورة لرجل ينظر إلى عدسة الكاميرا كأنه يعرف أن الزمن سيطول بينه وبين من يحب.
في كل بيت، كان هناك سؤال لا يُقال بصوت عالٍ:
هل ما زال حيًا؟ هل تاه في الغربة؟ أم أن الطريق إلى العودة أصبح أطول من العمر نفسه؟
سارة كانت ترى فيه أبًا اختفى قبل أن تُكمل طفولتها ملامحه.
آنى كانت تبحث عنه في كل وجه غريب يمر في الشارع، كأنها تؤمن أن الأب لا يموت بل يتنكر في هيئة المسافرين.
أما حسين، فكان يصرّ على أن الحقيقة لا بد أن تكون مخبأة في مكان ما: في سجل قديم، أو رسالة منسية، أو صورة أخرى لم تُكتشف بعد.
ومع مرور السنوات، تحولت رحلة البحث إلى حياة كاملة. لم يعد الأمر مجرد بحث عن رجل هاجر، بل عن معنى الفقد نفسه، وعن الإيمان بأن بعض الغيابات يمكن أن تُستعاد.
كانوا يقولون لأنفسهم:
“إذا كانت الصورة موجودة، فصاحبها لم يختفِ تمامًا.”
وهكذا، استمرت الحكاية…
لا تنتهي بوصول، بل تبدأ كل يوم بسؤال جديد، وإيمان صغير بأن الأب الذي رحل عام 1973 ربما ما زال، بطريقة ما، ينتظر أن يُعاد اكتشافه داخل ذاكرة أبنائه.
