الذين لا يفسدهم الغياب ...بقلم الكاتب الصحفي "إيهاب كامل"
القاهرة
"منحرمش منك يا عشرة العمر".. جملة قصيرة جاءت كرد من صديق على معايدة بمناسبة عيد ميلاده، لكنها بقيت معى أكثر مما توقعت.. لم تمر ككلمات لطيفة تقال فى مثل هذه المناسبات وتنتهى، بل فتحت فجأة بابا قديما داخل الروح.. كتب عليه من الخارج: هنا يسكن هؤلاء الذين لا يغيبون فعلا، حتى عندما تبعدهم الحياة.فهناك أشخاص، مهما طال بينك وبينهم الوقت، يظل إحساسك بهم ثابتا بشكل يصعب تفسيره.. قد تمر سنوات كاملة دون لقاء، ثم تسمع صوتهم فجأة، فتشعر أن المسافة كلها كانت مجرد سوء تفاهم بسيط بين الأيام والقلوب.
لا تحتاج هذه العلاقات إلى مقدمات طويلة، ولا إلى إعادة تعريف.. لا أحد يسأل فيها: "إحنا بعاد ليه؟"، ولا يحاسب الآخر على الغياب، ولا يفتش فى دفاتر العتاب القديمة.. تعود الضحكة من أول دقيقة، ويعود الكلام كأنه كان متوقفا بالأمس فقط، لا منذ أعوام.
دائما فى الاعياد والمناسبات أجد نفسى بين عدد من الأصدقاء الذين فرقت بيننا مشاغل الحياة لفترة طويلة.. فأظن أننا سنحتاج بعض الوقت حتى نستعيد ألفتنا القديمة، وأن الغياب لا بد أن يترك شيئا من البرودة أو الحذر.. لكن ما يحدث دائما يكون العكس تماما.. بعد دقائق قليلة عادت النكات القديمة، واستُحضرت مواقف من سنوات بعيدة، وأكمل كل منا تفاصيل قصة بدأها الآخر كأنها حدثت بالأمس. وفى كل مرة أدرك أن بعض العلاقات لا ينجح الزمن فى إبعادها، بل يتركها فقط تنتظر فرصة جديدة للظهور.
فى هذا الزمن السريع، أصبح كل شيء قابلا للاستهلاك، حتى المشاعر نفسها.. صرنا نقيس الحب بعدد الرسائل، والاهتمام بسرعة الرد، والقرب بمن يشاهد يومياتنا أكثر، لكن العلاقات الحقيقية كانت دائما أهدأ من ذلك بكثير.. لا تصرخ لتثبت نفسها، ولا تغضب من الغياب، ولا تنهار لأن الحياة أصبحت أثقل من السابق.
ومع التقدم فى العمر، نكتشف شيئا مهما جدا.. أن المكسب الحقيقى ليس فى كثرة المعارف، بل فى هؤلاء القلائل الذين تستطيع الرجوع إليهم فى أى وقت، دون خوف من التغير، ودون الحاجة لأن تشرح نفسك من جديد.. الذين يعرفون نسختك القديمة جيدا، ويتذكرون ضحكتك التى اختفت قليلا، وأحلامك الأولى، وحماسك الذى استهلكته الأيام بالتدريج.
فى حياتنا أشخاص كثيرون مروا ثم اختفوا بهدوء، كأنهم كانوا محطة مؤقتة فى الطريق، لكن هناك آخرين ظلوا موجودين بطريقة خفية، حتى وهم بعيدون. مجرد معرفتنا أنهم ما زالوا فى مكان ما من الدنيا تمنحنا شعورا مطمئنا يصعب شرحه.
أحيانا أظن أن الصداقة الحقيقية لا تُقاس بعدد اللقاءات، بل بقدرة المشاعر على النجاة من الزمن. أن ترى شخصا بعد سنوات طويلة، ثم تجلس معه بنفس الأمان القديم، وتضحك من قلبك دون أى مجهود، وكأن الغياب لم يكن سوى يوم طويل قليلا.
لهذا لم تمر عبارة "عشرة العمر" مرورا عاديا بالنسبة لى. كانت تذكيرا هادئا بأن هناك علاقات لا يفسدها الغياب، ولا تهزمها المسافات، ولا ينجح الزمن فى إطفائها بسهولة.
علاقات كلما عدنا إليها، اكتشفنا أن العمر غيّر أشياء كثيرة فعلا.. الملامح، والأيام، وحتى نحن أنفسنا، إلا ذلك الود القديم الذى ما زال يعرف الطريق إلى القلب دون استئذان، كأنه ولد بالأمس.
