جريمة بلا دماء... ضحيتها طفل ينتظر أمه منذ عامين.
القاهرة.فتحى الضبع
"خليك هنا... وأنا هرجع."
كلمتان فقط، قالتها أم لطفلها الصغير، ثم اختفت من حياته وكأنها لم تكن يومًا كل عالمه.
منذ عامين، وفي أحد شوارع زهراء المعادي بالقرب من مودرن أكاديمي، وقفت أم بجوار طفل لم يكن قد أكمل عامه الثامن بعد. كان يمسك بطرف ثوبها كما يفعل الأطفال حين يشعرون بالأمان، وينظر إليها بعينين لا تعرفان من الدنيا سوى أنها "أمه"، وأنها الملجأ الذي لا يمكن أن يخذله.
قالت له بهدوء: "خليك هنا."
جلس الصغير ينتظر.
انتظر دقائق طويلة، ثم ساعات، ثم حلّ المساء. كانت عيناه تتنقلان بين وجوه المارة، يبحثان عن الوجه الوحيد الذي يعرفه. كان يظن أنها تأخرت فقط، وأنها ستعود بعد قليل وتحمله بين ذراعيها وتعتذر له عن هذا الانتظار الطويل.
لكنها لم تعد.
مر يوم، ثم أسبوع، ثم شهر... وتحول الانتظار إلى عامين كاملين.
عامان من الشارع، من الأرصفة الباردة، من الليالي التي لا يعرف فيها الطفل أين ينام، ومن الصباحات التي يستيقظ فيها على سؤال واحد يطارد قلبه الصغير: "هي ماما هترجع إمتى؟"
والده رحل عن الدنيا، وأمه رحلت عن حياته. وبين رحيل الموت ورحيل القلوب، تُرك طفل وحيدًا يواجه العالم أكبر من عمره بكثير.
لم يكن معه مال، ولا بيت، ولا يد تربت على كتفه حين يبكي. كان يملك فقط قلب طفل صغير ما زال، رغم كل شيء، يبحث عن حضن أمه بين وجوه الغرباء.
أهل المنطقة لم يستطيعوا أن يغضوا أبصارهم عن وجعه. كانوا يرونه يكبر أمامهم يومًا بعد يوم، فتقاسموه كما تتقاسم القلوب الرحيمة مسؤولية الألم. هذا يعطيه طعامًا، وذاك يشتري له ملابس، وآخر يسأل عنه إذا غاب. حاولوا أن يخففوا عنه قسوة الحياة، لكن أحدًا منهم لم يستطع أن يمنحه الشيء الذي يحتاجه أكثر من أي شيء آخر...
أن يشعر أنه ليس متروكًا.
أقسى أنواع اليُتم ليس أن تفقد أبًا أو أمًا بالموت، فالموت قدرٌ لا يملكه أحد، بل أن تشعر أنك ما زلت حيًا في قلبك، بينما من يفترض أنهم أحب الناس إليك اختاروا أن يرحلوا.
كل من يرى هذا الطفل يسأل نفسه السؤال ذاته:
أي ذنب ارتكبه طفل في الثامنة من عمره ليستيقظ كل يوم على الرصيف بدلًا من سريره؟ أي خطأ فعله ليُحرم من طفولته، ومن دفء البيت، ومن كلمة "أنا معاك"؟
وربما يبقى السؤال الأصعب...
عندما تكبر هذه العيون الصغيرة، هل ستنسى ذلك اليوم الذي سمع فيه طفل بريء آخر كلمات أمه: "خليك هنا"... ثم قضى عامين كاملين ينتظر عودتها؟ 💔😢
