مصر... أول مدينة علمتني أن الليل يمكن أن يكون وطنًا
ذكريات يرويها الاعلامى.فارس حسن
هناك مدن نزورها، ثم نغادرها.وهناك مدن تسكننا، حتى لو لم نعش فيها يومًا واحدًا.
ومصر... كانت بالنسبة لي من النوع الثاني.
أتذكر زيارتي الأولى إلى القاهرة وكأنها حدثت بالأمس، رغم أنني كنت يومها في الرابعة عشرة من عمري. كنا جميعًا معًا؛ أمي، وأبي -رحمه الله-، وأخواي حازم وطارق، وأختنا الصغيرة جود، التي لم تكن قد تجاوزت العامين.
وصلنا الفندق قرابة الحادية عشرة ليلًا بعد رحلة طويلة. استلمنا الغرف، لكن النوم لم يكن واردًا بالنسبة لنا نحن الشباب. شعرنا أن اليوم سينتهي قبل أن نرى القاهرة، فقررنا أن نخرج قليلًا.
سألنا والدتي إن كانت تسمح لنا بأخذ جود معنا، فرفضت فورًا. كانت أمًا تخشى على طفلتها كما تخشى علينا جميعًا.
لكن أبي ابتسم وقال جملته التي لم أفهم معناها الحقيقي إلا بعد سنوات:
"خذوها... الدنيا هون أمان."
خرجنا نستقل سيارة أجرة، وسأل السائق إلى أين؟
أجاب حازم بحماس طفولي: "على مدينة نصر."
استغربنا جميعًا.
سألناه: "ليش مدينة نصر؟"
فضحك وقال: "بسمع عنها بالأفلام... وبدي أشوفها."
انطلقت السيارة، وكان الطريق طويلًا... طويلًا جدًا بالنسبة لطفل في الرابعة عشرة. ربما استغرق ساعة أو أكثر، لكنني لم أشعر بالوقت.
كانت القاهرة تتلألأ تحت الأضواء. حركة لا تهدأ، سيارات لا تنتهي، وضحكات تتسلل من المقاهي، وأغاني محمد منير تخرج من كل مكان، كأن المدينة كلها تعزف لحنًا واحدًا.
وصلنا إلى سيتي ستارز، وما زلت أظن أن الدهشة التي شعرت بها هناك كانت أكبر من أي دهشة عرفتها لاحقًا.
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، لكن كل شيء كان حيًا.
العائلات تتجول.
المحلات مفتوحة.
المطاعم مزدحمة.
الفود كورت يعج بالناس.
ضحكات الأطفال تملأ المكان.
كأن النهار قرر أن ينسى موعد غروبه.
كنا قادمين من مكان اعتاد أن ينام مبكرًا، لذلك بدا لنا المشهد أشبه بفيلم.
وللمرة الأولى شعرت أن الغربة يمكن أن تختفي في مدينة لا تعرفك، لكنها تحتضنك دون أن تسألك من أين جئت.
نسينا الوقت تمامًا.
وحين عدنا إلى الفندق كانت الساعة قد اقتربت من الرابعة صباحًا.
وجدنا أمي تنتظرنا بقلق واضح، فذلك الزمن لم يكن يعرف الهواتف المحمولة، وكانت كل دقيقة غياب تبدو كأنها ساعات.
وقبل أن تبدأ بالعتاب، سبقها أبي بابتسامته الهادئة وقال:
"قلتلك... الدنيا هون أمان... ما تخافي."
رحل أبي منذ سنوات.
لكن تلك الجملة بقيت.
وبقيت القاهرة أيضًا.
كلما سمعت أغنية لمحمد منير، أو رأيت صورة لشوارعها المضيئة، أو شاهدت فرحة المصريين وهم يحتفلون بانتصار منتخبهم، تعود إليّ تلك الليلة بكل تفاصيلها.
لا أتذكر فقط الشوارع، ولا المول، ولا التاكسي.
أتذكر الشعور.
شعور أن مدينة كاملة استطاعت، في ساعات قليلة، أن تجعل طفلًا يشعر بأنه ليس غريبًا.
ولهذا، كلما فرحت مصر...
أجد جزءًا مني يفرح معها.
لأن بعض البلدان لا تصبح مجرد وجهة سفر...
بل تتحول إلى ذكرى.
إلى دفء.
إلى بيتٍ تركت فيه قطعة من قلبك دون أن تنتبه.
مبروك يا مصر...
يا حبيبتي يا مصر.
