خرجت لدقائق... فاختفت إلى الأبد: لغز جيسيكا الذي حيّر كندا لأكثر من عقد
في صباح هادئ من السادس والعشرين من مايو/أيار 2015، خرجت الشابة الكندية جيسيكا هيبنر من الفندق الذي كانت تقيم فيه بمدينة سانت جونز، كما يخرج أي شخص لقضاء أمر عابر. لم تحمل حقائبها، ولم تأخذ حاسوبها المحمول، ولم تجمع أغراضها الشخصية. كل ما فعلته أنها غادرت الغرفة، وكأنها تنوي العودة بعد وقت قصير.
لكنها... لم تعد أبدًا.
قبل يوم واحد فقط، كانت جيسيكا، البالغة من العمر 21 عامًا، قد وصلت إلى المدينة برفقة رجل يُدعى نوربرت كاسزا، وسجلا دخولهما إلى أحد فنادق وسط المدينة. بدت الرحلة عادية، ولم يكن هناك ما ينذر بأنها ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر قضايا الاختفاء غموضًا في كندا.
في اليوم التالي، استقلت جيسيكا سيارة أجرة لزيارة أحد معارفها، ووصلت بالفعل إلى وجهتها. وبعد انتهاء الزيارة، كان من المفترض أن تستقل سيارة أجرة أخرى تعيدها إلى الفندق. إلا أن تلك الرحلة، بحسب ما توصلت إليه التحقيقات، لم تكتمل أبدًا، ومنذ تلك اللحظة انقطع كل أثر لها.
ومع توسع التحقيق، بدأت القضية تزداد تعقيدًا بدلًا من أن تقترب من الحل.
اكتشف المحققون أن جيسيكا كانت تستخدم هاتفين خلويين مدفوعيْن مسبقًا، إضافة إلى بطاقات ائتمان مسبقة الدفع مسجلة بأسماء وعناوين غير حقيقية. ثم ظهرت أدلة أربكت الجميع؛ إذ سُجل استخدام أحد هواتفها في مقاطعة أونتاريو بعد نحو أسبوع من اختفائها، بينما استُخدمت إحدى بطاقاتها في عملية شراء بألمانيا بعد قرابة شهرين.
هل كانت لا تزال على قيد الحياة؟ أم أن شخصًا آخر كان يستخدم مقتنياتها؟ أم أن هذه الآثار لم تكن سوى خيوط مضللة قادت التحقيق إلى طرق مسدودة؟ أسئلة بقيت بلا إجابة حتى اليوم.
ولم تتوقف علامات الاستفهام عند هذا الحد.
فقد أثار رفيق رحلتها، نوربرت كاسزا، الكثير من الجدل بعدما تبين أنه لم يبلغ الشرطة باختفاء جيسيكا إلا بعد ثلاثة أيام، وذلك عبر اتصال هاتفي أجراه عقب عودته إلى أونتاريو. وخلال الاتصال أبلغ السلطات بأنه يعتزم السفر إلى كولومبيا البريطانية ثم إلى دبي. وتشير التقارير إلى أن المحققين واجهوا صعوبة في تحديد مكانه واستجوابه بصورة موسعة، ما جعله شخصية محورية في القضية، رغم أنه لم تُوجَّه إليه أي اتهامات جنائية.
لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرة المحققين لم يكن أي دليل إلكتروني أو شهادة، بل كان المشهد الصامت داخل غرفة الفندق.
كانت حقيبتا جيسيكا في مكانهما. ملابسها مرتبة. حاسوبها المحمول لم يُمس. بطاقات هويتها ووثائقها المهمة بقيت كما هي. لم يكن هناك ما يوحي بأن صاحبة الغرفة كانت تستعد للسفر أو للهروب أو لبدء حياة جديدة. بدا كل شيء وكأنها خرجت فقط لشراء شيء من الخارج، وستعود بعد دقائق.
غير أن تلك الدقائق امتدت إلى سنوات.
واليوم، وبعد أكثر من عقد على اختفائها، لا تزال القضية مفتوحة، ولا تزال عائلتها تنتظر إجابة لم تأتِ بعد. وبين الأدلة المتناثرة، والإشارات التي ظهرت في أماكن متباعدة، والغرفة التي بقيت شاهدة على آخر لحظاتها المعروفة، يظل السؤال الذي حيّر المحققين والرأي العام قائمًا:
كيف يمكن لإنسان أن يترك خلفه كل ما يملكه تقريبًا... ثم يختفي من العالم دون أن يترك وراءه أي أثر؟
