أزمة سبتة 2026.. أكبر موجة هجرة غير نظامية تهز الحدود الإسبانية المغربية وتعيد ملف الهجرة إلى صدارة المشهد الأوروبي
فتحي الضبع
شهدت مدينة سبتة الإسبانية، الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب، واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية في تاريخها، بعدما عبر ما بين 49 ألفًا و60 ألف مهاجر الحدود من الأراضي المغربية خلال أقل من 24 ساعة، في تطور غير مسبوق أعاد إلى الواجهة أزمة الهجرة بين أفريقيا وأوروبا، وأثار جدلاً سياسيًا وقانونيًا واسعًا داخل الاتحاد الأوروبي.
وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع من حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية يقضي بعدم جواز تطبيق ما يعرف بـ"الإعادة الفورية" أو "الترحيل الفوري" على المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، على أن يتم إخضاعهم للإجراءات القانونية العادية الخاصة بالهجرة. ويرى مراقبون أن هذا الحكم استغلته شبكات تهريب البشر لنشر شائعات بأن الوصول إلى سبتة سيمنح المهاجرين فرصة أكبر للبقاء داخل إسبانيا، وهو ما نفته الحكومة الإسبانية.
وأعلنت السلطات الإسبانية إرسال تعزيزات من الجيش والحرس المدني والشرطة إلى سبتة لاحتواء الأزمة، بينما تم، بالتنسيق مع السلطات المغربية، إعادة عشرات الآلاف من المهاجرين، سواء بشكل طوعي أو عبر إجراءات الإعادة القانونية، خلال الساعات التالية.
وفي الجانب الإنساني، أسفرت محاولات العبور عن سقوط عشرات الضحايا بين غرق وإصابات وحالات تدافع، فيما تراوحت حصيلة الوفيات المعلنة بين 34 و41 شخصًا وفقًا للتقارير الأولية، مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ.
وتسببت الأزمة في انقسام داخل الاتحاد الأوروبي، حيث طالبت بعض الأصوات السياسية في دول مثل إيطاليا بتشديد الإجراءات تجاه إسبانيا، كما دعت أطراف أوروبية إلى مراجعة سياسات حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن، في حين أكدت المفوضية الأوروبية دعمها لإسبانيا والتعاون مع المغرب لإعادة السيطرة على الحدود.
سبتة.. مدينة محل نزاع تاريخي
تعد سبتة، إلى جانب مليلية، من المدينتين الإسبانيتين الواقعتين في شمال أفريقيا. احتلتها البرتغال عام 1415، ثم انتقلت إلى التاج الإسباني بعد اتحاد العرشين في القرن السادس عشر، واعترفت البرتغال بسيادة إسبانيا عليها عام 1668، بينما لا يزال المغرب يعتبرها جزءًا من أراضيه.
أزمة تتكرر بأشكال مختلفة
ويرى خبراء الهجرة أن ما جرى في سبتة ليس حالة استثنائية، بل يأتي ضمن نمط شهدته مناطق حدودية عدة حول العالم، مثل الحدود التركية اليونانية، والمكسيكية الأمريكية، والكولومبية الفنزويلية، وكذلك على بعض الحدود في الشرق الأوسط، حيث تتحول الهجرة في أحيان كثيرة إلى ورقة ضغط سياسية وإنسانية.
وفي الوقت نفسه، يؤكد مختصون أن معالجة هذه الأزمات لا ينبغي أن تقتصر على الحلول الأمنية، بل تتطلب معالجة جذور الهجرة، وفي مقدمتها الفقر، والصراعات، والبطالة، وانعدام فرص الحياة الكريمة في العديد من الدول المصدرة للمهاجرين.
ويجمع مراقبون على أن مأساة سبتة تذكر العالم بأن الهجرة غير النظامية ليست مجرد قضية حدود، بل أزمة إنسانية معقدة تستدعي تعاونًا دوليًا يحفظ أمن الدول وكرامة الإنسان، ويحد من استغلال المهاجرين من قبل شبكات التهريب، مع تجنب أي تصعيد يؤدي إلى مزيد من الضحايا.



