من أسر الأوروبيين إلى الاحتلال الفرنسي.. قصة القرصنة وتجارة الأسرى على سواحل شمال أفريقيا

الوكالة الكندية للأنباء

فتحي الضبع 

على مدى قرون، ظل البحر المتوسط مسرحًا لصراع متواصل بين القوى الأوروبية والكيانات السياسية والبحرية في شمال أفريقيا، خصوصًا الجزائر وتونس وطرابلس والمغرب، في ظاهرة عُرفت في المصادر الأوروبية باسم «قرصنة الساحل البربري».

ولم تقتصر هذه المواجهات على الاستيلاء على السفن التجارية، بل ارتبطت أيضًا بأسر أفراد أطقمها واحتجازهم وطلب الفدية مقابل إطلاق سراحهم، فيما تعرض بعض الأسرى للاسترقاق والعمل القسري. وتؤكد مصادر تاريخية تابعة للبحرية الأمريكية أن حكام دول الساحل البربري كانوا يفرضون إتاوات على الدول التي تمر سفنها في المنطقة، بينما كانت سفنهم تستولي على السفن التجارية وتحتجز أطقمها للمطالبة بالفدية.

الجزائر.. مركز رئيسي للأسر والفدية

كانت مدينة الجزائر، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، أحد أهم مراكز النشاط البحري في المنطقة. وكان الأسرى الأوروبيون يمثلون موردًا اقتصاديًا مهمًا؛ إذ كان بعضهم يُفدى مقابل مبالغ مالية، بينما كان آخرون يدخلون في أنظمة العمل القسري أو الاسترقاق.

ولم يكن نظام الفدية ظاهرة هامشية، فقد ظهرت في أوروبا جماعات دينية متخصصة في جمع الأموال والتفاوض من أجل تحرير الأسرى المسيحيين الموجودين في شمال أفريقيا.

ومن بين هؤلاء رهبان الرهبنة الثالوثية، التي شاركت في عمليات تحرير الأسرى من خلال دفع الفديات والتفاوض مع السلطات المحلية.

وكان الكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس، مؤلف «دون كيشوت»، أحد أشهر الأوروبيين الذين وقعوا في الأسر في الجزائر قبل أن يتمكن من العودة إلى إسبانيا.

الأسرى.. من الإنسان إلى «قيمة مالية»

تكشف روايات الرحالة والرهبان والدبلوماسيين الأوروبيين عن قسوة نظام الأسر آنذاك، حيث كان الأسرى يُصنّفون وفق أعمارهم ومهنهم وقدراتهم البدنية، لأن قيمتهم كانت ترتبط بإمكانية استخدامهم في العمل أو مقدار الفدية التي يمكن الحصول عليها مقابل إطلاق سراحهم.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن النساء والأطفال كانوا أيضًا ضمن ضحايا عمليات الأسر، وإن كانت طبيعة التعامل معهم تختلف وفق المكان والفترة والظروف السياسية.

ولهذا السبب أصبح البحر المتوسط خلال تلك الفترة أحد أبرز مسارح تجارة الأسرى والفدية في العالم القديم.

من البحر المتوسط إلى السواحل الأوروبية

لم تكن عمليات الأسر مقتصرة على السفن التي تعبر المتوسط، بل امتدت الغارات البحرية إلى مناطق ساحلية في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وغيرها من المناطق الأوروبية.

وكان الهدف في عدد من هذه العمليات الحصول على الغنائم والأسرى، إلى جانب ضرب التجارة البحرية للخصوم.

لكن من المهم تاريخيًا عدم التعامل مع هذه العمليات باعتبارها حملة موحدة أو مشروعًا واحدًا استمر أربعة قرون؛ فقد تغيرت القوى والسلطات والظروف السياسية بصورة كبيرة بين القرن الخامس عشر والقرن التاسع عشر.

الأمريكيون يدخلون المواجهة

مع استقلال الولايات المتحدة وتوسع تجارتها البحرية، دخلت السفن الأمريكية أيضًا في دائرة الصراع.

وبحسب سجلات البحرية الأمريكية، كانت الولايات المتحدة تدفع إتاوات لبعض حكام الساحل البربري لضمان مرور سفنها التجارية، لكن تصاعد عمليات الأسر وارتفاع مطالب الفدية دفع واشنطن في النهاية إلى استخدام القوة البحرية.

وفي عام 1801 بدأت الحرب البربرية الأولى بين الولايات المتحدة وطرابلس، بعدما وصلت الخلافات بشأن الإتاوات والأسرى إلى مرحلة المواجهة العسكرية.

وأرسل الرئيس توماس جيفرسون قوة بحرية أمريكية إلى المتوسط، وفرضت السفن الأمريكية حصارًا على طرابلس وشاركت في عمليات قتالية ضد السفن التابعة لها.

ومن أشهر أحداث الحرب حادثة السفينة الأمريكية USS Philadelphia التي جنحت في ميناء طرابلس عام 1803 واستولى عليها الطرف الآخر، قبل أن تنفذ قوة بقيادة الملازم ستيفن ديكاتور عملية جريئة لتدميرها عام 1804 حتى لا تُستخدم ضد الأمريكيين.

وانتهت الحرب عام 1805 باتفاق أوقف دفع الإتاوة المستقبلية لطرابلس، مع دفع فدية للإفراج عن الأسرى الأمريكيين.

1815.. الحرب الثانية ضد الجزائر

بعد انتهاء حرب 1812 مع بريطانيا، قررت الولايات المتحدة حسم ملف الإتاوات مع الجزائر.

وفي مارس 1815 أعلن الكونغرس الحرب على الجزائر، وأبحر أسطول أمريكي بقيادة العميد البحري ستيفن ديكاتور إلى البحر المتوسط.

وبعد سلسلة من العمليات البحرية، اضطرت الجزائر إلى التفاوض، وانتهت المواجهة باتفاق أنهى دفع الإتاوات للولايات المتحدة وضمن للأمريكيين حرية الملاحة، كما نص على إطلاق سراح الأسرى الأمريكيين.

وفي عام 1816 شنت قوة بحرية بريطانية وهولندية هجومًا على الجزائر، وأُجبرت السلطات الجزائرية على إطلاق سراح أكثر من ألف عبد أوروبي، وفقًا للسجل التاريخي للبحرية الأمريكية.

هل كانت هذه الحروب سببًا مباشرًا للاحتلال الفرنسي؟

هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية في القصة.

فقد شكّلت القرصنة البحرية والأسر والإتاوات جزءًا من تاريخ العلاقات بين الجزائر والقوى الأوروبية، لكنها ليست السبب الوحيد ولا يكفي وحده لتفسير الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830.

كانت هناك أيضًا عوامل سياسية واقتصادية واستراتيجية، إلى جانب التنافس الأوروبي على شمال أفريقيا.

ومع بداية القرن التاسع عشر، بدأت قدرة دول الساحل البربري على ممارسة نفوذها البحري تتراجع أمام صعود القوى البحرية الأوروبية.

وتشير البحرية الأمريكية إلى أن هزيمة الجزائر عام 1815، ثم الهجوم البريطاني والهولندي عام 1816، شكّلا بداية النهاية لهيمنة دول الساحل البربري على النشاط البحري في المتوسط، بينما استمرت بعض الممارسات إلى أن جاء الغزو الفرنسي للجزائر عام 1830.

1830.. فرنسا تنزل إلى الجزائر

في يوليو/تموز 1830 بدأت فرنسا غزو الجزائر، لتدخل البلاد مرحلة استعمارية استمرت أكثر من 130 عامًا، حتى استقلال الجزائر عام 1962.

ومن هنا يصبح الربط التاريخي أكثر دقة: القرصنة وأسر السفن والإتاوات كانت جزءًا من الخلفية الطويلة للعلاقات الفرنسية الجزائرية، لكنها لا تفسر بمفردها قرار فرنسا احتلال الجزائر.

فالاحتلال الفرنسي جاء في سياق أوروبي أوسع، تداخلت فيه الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستراتيجية، إضافة إلى رغبة الملك شارل العاشر في استعادة هيبة النظام الملكي الفرنسي داخليًا وخارجيًا.

نهاية عصر القرصنة

لم تنتهِ ظاهرة القرصنة في البحر المتوسط بضربة واحدة، لكنها تراجعت تدريجيًا مع صعود القوى البحرية الأوروبية الحديثة.

وكانت حملة 1816 على الجزائر، ثم الغزو الفرنسي عام 1830، من المحطات الحاسمة في تفكيك النظام الذي سمح لدول الساحل البربري بممارسة القرصنة والإتاوات على نطاق واسع.

وبذلك انتقل البحر المتوسط، خلال القرن التاسع عشر، من فضاء تتنافس فيه قوى بحرية متعددة على السفن والأسرى والفدية، إلى بحر تفرض فيه القوى الأوروبية الكبرى نفوذها العسكري والسياسي بصورة متزايدة.

وتبقى قصة الأسر والعبودية في المتوسط واحدة من أكثر صفحات تاريخ المنطقة تعقيدًا، لأنها لا تتعلق بطرف واحد أو شعب واحد، بل بشبكة طويلة من الحروب والتجارة والفدية والاسترقاق امتدت قرونًا، وكان الأوروبيون وشعوب شمال أفريقيا على السواء جزءًا من ضحاياها وفاعليها وفقًا للزمان والمكان والسلطة.

ملاحظة تحريرية مهمة: لم أدرج رقم «مليون إلى مليون وربع أوروبي بين 1500 و1800» باعتباره حقيقة محسومة، لأن تقديرات أعداد الأسرى الأوروبيين في شمال أفريقيا تختلف بشدة بين المؤرخين والمنهجيات. كذلك لم أُثبت عبارة أن 700 أمريكي استُعبدوا بين 1785 و1815 دون مصدر أولي واضح. والأدق صحفيًا عدم نشر هذه الأرقام بصيغة قطعية قبل توثيقها.