قصة بعثة بريطانية سرية دخلت صحراء سيناء بالمال والخرائط.. وخرجت منها جثثًا
في صيف عام 1882، وبينما كانت بريطانيا تستعد لتوسيع تدخلها العسكري في مصر، بدأت تبحث عن وسيلة لتأمين أحد أهم شرايين مصالحها في المنطقة: قناة السويس.
لكن لندن لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل حاولت أن تستخدم المال والنفوذ والاتصالات بالقبائل البدوية في سيناء.
وفي قلب هذه المهمة ظهر اسم إدوارد هنري بالمر، أستاذ العربية بجامعة كامبريدج والمستشرق المعروف بخبرته باللغة العربية ولهجات البدو، والذي كانت السلطات البريطانية تراهن على معرفته بالصحراء وعلاقاته السابقة ببعض القبائل.
كانت المهمة، بحسب الوثائق والدراسات التاريخية، تتضمن استمالة زعماء القبائل ومنعهم من دعم الثورة العرابية، وتأمين المنطقة المحيطة بقناة السويس، إلى جانب شراء الجمال وقطع خطوط التلغراف التي تربط مصر بالمناطق الخاضعة للعثمانيين. وكانت الحكومة البريطانية قد خصصت للمهمة نحو 20 ألف جنيه، بينما حمل بالمر في رحلته الأخيرة 3 آلاف جنيه من الذهب.
من القاهرة إلى صحراء سيناء
لم يكن بالمر وحده.
رافقه الكابتن وليام جيل، واللفتنانت هارولد تشارنجتون، إلى جانب عدد من المرافقين، وانطلقت المجموعة عبر الصحراء في مهمة شديدة الحساسية.
كان الهدف الوصول إلى مناطق داخل سيناء، والتواصل مع القبائل، وتأمين شراء الجمال، والعمل على تعطيل خطوط التلغراف التي كانت تمثل وسيلة اتصال مهمة في ذلك الوقت. وتظهر وثائق بريطانية أن الحكومة كانت تدرك أهمية معرفة موقف قبائل سيناء في ظل الصراع الدائر حول الثورة العرابية والتدخل البريطاني المرتقب.
لكن الرحلة التي بدت في لندن مهمة استخباراتية قابلة للنجاح تحولت داخل الصحراء إلى مأساة.
وادي سدر.. النهاية
في 10 أغسطس 1882، تعرضت المجموعة لكمين في منطقة وادي سدر.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن أفراد البعثة أُسروا، ثم اقتيدوا في اليوم التالي إلى الوادي، حيث قُتلوا بالرصاص. وكان بالمر أول من سقط، قبل أن يلقى رفيقاه البريطانيان المصير نفسه.
وبذلك انتهت واحدة من أكثر المهام البريطانية سرية في سيناء، ليس داخل قاعات المفاوضات أو على موائد الاتفاقات، وإنما في قلب الصحراء.
أما الأموال التي كانت مع البعثة، فقد اختفت في أعقاب الكمين، وأصبحت تفاصيل مصيرها جزءًا من الروايات التي أحاطت بالحادثة.
من الكمين إلى المشنقة
لم تمر الحادثة بالنسبة لبريطانيا مرورًا عابرًا.
وبعد انتهاء العمليات العسكرية، أرسلت السلطات بعثة بقيادة الكولونيل تشارلز وارن للتحقيق في مقتل بالمر ورفاقه، والعثور على رفاتهم وتحديد المسؤولين عن قتلهم. وأظهرت التحقيقات البريطانية أسماء متهمين من أبناء القبائل، وانتهت المحاكمات إلى إعدام خمسة منهم شنقًا، بينما صدرت أحكام بالسجن على آخرين.
وفي النهاية، عُثر على رفات بالمر ورفيقيه، ونُقلت إلى بريطانيا، حيث دُفنت في سرداب كاتدرائية القديس بولس في لندن في أبريل 1883.
قصة لم تنتهِ عند وادي سدر
تظل واقعة بالمر واحدة من القصص اللافتة في تاريخ التدخل البريطاني في مصر عام 1882؛ فهي تكشف كيف تداخلت الاستخبارات والمال والسياسة والحرب في الصحراء المصرية.
لكن من المهم تاريخيًا عدم اختزال الحادثة في رواية واحدة؛ فالمصادر البريطانية نفسها اختلفت في تفسير دوافع المهاجمين: بعضها تحدث عن النهب، بينما رأى آخرون أن البعثة كانت جزءًا من نشاط استخباراتي بريطاني وأن مقاومتها ارتبطت بالصراع السياسي والعسكري آنذاك.
وفي كل الأحوال، بقي وادي سدر شاهدًا على نهاية بعثة بريطانية دخلت صحراء سيناء بأهداف سياسية وعسكرية، وانتهت قصتها في أغسطس 1882 بالرصاص، قبل أن تعود رفات أفرادها إلى لندن بعد أشهر.
#أرشيفهم_وتاريخنا
#سيناء #وادي_سدر #إدوارد_بالمر #الثورة_العرابية #التاريخ_المصري #بريطانيا_في_مصر
