وثائق أمريكية تكشف تحركات دولية لدعم انفصال جمهورية صربسكا عن البوسنة.. وادعاءات بشأن اتصالات مع الرياض وتل أبيب
فتحي الضبع
كشفت تقارير قدمتها شركة الضغط الكندية «ديكنز آند مادسون» (Dickens & Madson Canada Inc.) إلى وزارة العدل الأمريكية عن تحركات سياسية ودبلوماسية استهدفت حشد دعم دولي لمشروع استقلال جمهورية صربسكا، الكيان ذي الأغلبية الصربية الذي يشكل أحد الكيانين المكوّنين لدولة البوسنة والهرسك، مع الإشارة إلى اتصالات أجرتها الشركة مع مكتب ولي العهد السعودي ومكتب الرئيس الإسرائيلي.وبحسب ما ورد في التقريرين اللذين أعدتهما الشركة عن أنشطتها خلال فترتين نصف سنويتين انتهتا في 31 ديسمبر 2025 و30 يونيو 2026، فإن الشركة أجرت عدة لقاءات مع ممثلين عن مكتب ولي العهد السعودي ومكتب الرئيس الإسرائيلي، في سياق جهودها لتمثيل سلطات جمهورية صربسكا والدفع نحو تحقيق هدفها المعلن بالاستقلال عن البوسنة والهرسك.
وتكتسب هذه الإفادات أهمية سياسية بالنظر إلى حساسية ملف وحدة البوسنة والهرسك، التي خرجت من حرب دامية في تسعينيات القرن الماضي، وإلى المخاوف من أن تؤدي التحركات الانفصالية إلى زعزعة التوازنات التي أرستها التسوية السياسية لإنهاء الحرب.
غير أن ما ورد في تقارير شركة الضغط لا يمثل، في حد ذاته، دليلاً مستقلاً على تبني السعودية أو إسرائيل موقفاً رسمياً مؤيداً لانفصال الإقليم؛ إذ لم تتوافر تأكيدات رسمية مستقلة تثبت أن حكومتي البلدين أعلنتا دعم هذا التوجه.
عقد بقيمة أربعة ملايين دولار لتحقيق هدف الانفصال
وتشير الوثائق إلى أن حكومة جمهورية صربسكا وقّعت عقداً مع شركة «ديكنز آند مادسون» في 6 سبتمبر 2025، لتولي مهام الضغط السياسي والعلاقات العامة والعمل على تعزيز موقع الإقليم دولياً، بما يشمل السعي إلى انتزاع دعم أمريكي لاستقلاله عن البوسنة والهرسك.
وبحسب التقارير المنشورة، بلغت المدفوعات التي تلقتها الشركة مقابل أنشطتها نحو أربعة ملايين دولار. وتضمنت مهامها التواصل مع مسؤولين ومؤسسات في الولايات المتحدة ودول أخرى، سعياً إلى تعزيز الموقف السياسي لقيادة صرب البوسنة، إلى جانب العمل على رفع العقوبات المفروضة على مسؤولين مرتبطين بالإقليم.
وتدير الشركة رجل الأعمال الإسرائيلي الكندي آري بن منشيه، الذي يقدم نفسه بوصفه مسؤولاً سابقاً في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وتعمل الشركة في مجال الضغط السياسي وتمثيل مصالح حكومات وشخصيات أجنبية أمام دوائر صنع القرار.
وتبرز أهمية التقارير في أنها لا تتناول اتصالات دبلوماسية فحسب، بل توثق أيضاً أنشطة شركة خاصة كُلّفت صراحة بالعمل من أجل استقلال الإقليم، وهو هدف من شأن تحقيقه أن يطرح تحديات دستورية وسياسية كبيرة أمام الدولة البوسنية.
اتصالات مع الرياض وتل أبيب.. ما الذي تقوله الوثائق؟
وفقاً لما أوردته الشركة في تقاريرها المقدمة إلى وزارة العدل الأمريكية، فقد عقدت عدة لقاءات مع مكتب ولي العهد السعودي ومكتب الرئيس الإسرائيلي، في إطار تمثيل جمهورية صربسكا والسعي إلى تحقيق استقلالها.
وذهبت الشركة في عرضها إلى القول إن السعودية وإسرائيل تربطهما علاقات بكل من جمهورية صربسكا والبوسنة والهرسك، وإنهما مهتمتان باستقلال الإقليم. كما أشارت إلى احتمال طرح القضية في محادثات مع مسؤولين أمريكيين.
لكن التقارير، وفقاً لما نشرته وسائل إعلام إقليمية، لم تقدم دليلاً مستقلاً يثبت أن السلطات السعودية أو الإسرائيلية تبنت رسمياً مشروع الانفصال، كما لم يتضح ما إذا كانت المحادثات المقترحة مع مسؤولين أمريكيين قد جرت بالفعل.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات في القضية: الاتصالات التي تقول شركة الضغط إنها أجرتها، وتقييم الشركة لمواقف الأطراف التي تواصلت معها، وأي موقف رسمي معلن من حكومات تلك الدول. فهذه المستويات ليست متطابقة، ولا يجوز اعتبار ما ورد في تقرير جهة ضغط دليلاً قاطعاً على وجود اتفاق سياسي بين الحكومات المعنية.
المحكمة الدستورية البوسنية تتدخل
وفي تطور قانوني مرتبط بالقضية، أفادت تقارير إعلامية بأن المحكمة الدستورية للبوسنة والهرسك قررت، خلال جلستها العامة رقم 174، حظر المدفوعات من موازنة جمهورية صربسكا بموجب العقد المبرم مع شركة «ديكنز آند مادسون»، كما شمل القرار أنشطة ضغط أخرى تستهدف، وفقاً لما أورده التقرير، أهدافاً تتعارض مع دستور البلاد وقرارات مؤسساتها الدستورية.
وشمل الإجراء توجيهات إلى مؤسسات الإقليم والجهات المعنية بوقف الأنشطة المرتبطة بهذه المدفوعات. ويعكس ذلك انتقال القضية من نطاق المنافسة السياسية والدبلوماسية إلى مواجهة قانونية بشأن استخدام الأموال العامة لتحقيق أهداف انفصالية.
ويكتسب القرار أهمية خاصة لأن تسجيل شركة بوصفها ممثلاً لمصالح جهة أجنبية في الولايات المتحدة لا يعني، بحد ذاته، أن جميع الأهداف التي تعمل من أجلها تتوافق مع القانون الدستوري للدولة التي تمثلها.
جمهورية صربسكا.. كيان داخل دولة واحدة
لفهم أبعاد القضية، لا بد من العودة إلى التسوية التي أنهت حرب البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي.
فقد أرسى اتفاق دايتون للسلام، الذي أنهى الحرب عام 1995، نظاماً دستورياً معقداً حافظ على وحدة البوسنة والهرسك، مع تنظيمها في كيانين رئيسيين: جمهورية صربسكا، ذات الأغلبية الصربية، واتحاد البوسنة والهرسك، الذي يضم البوشناق والكروات، إلى جانب منطقة برتشكو ذات الوضع الخاص.
وبموجب هذا الترتيب، تتمتع جمهورية صربسكا بصلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية، لكنها ليست دولة مستقلة، بل جزء من دولة البوسنة والهرسك المعترف بها دولياً.
ومن ثم، فإن الدعوة إلى انفصال الإقليم لا تمثل مجرد خلاف إداري حول توزيع السلطات، بل تمس البنية الدستورية التي تأسست عليها التسوية السياسية بعد الحرب، وتثير تساؤلات بشأن استقرار البلقان ومستقبل العلاقات بين المكونات القومية في البلاد.
وقد ظل ملف صلاحيات المؤسسات المركزية وعلاقة جمهورية صربسكا بها مصدراً متكرراً للتوتر السياسي، في ظل مواقف قيادات صربية محلية تطالب بتوسيع استقلالية الإقليم، ووصل بعضها إلى الدعوة إلى الانفصال.
ميلوراد دوديك في قلب المشروع السياسي
ويرتبط المشروع الانفصالي بصورة وثيقة بميلوراد دوديك، أحد أبرز القادة السياسيين لصرب البوسنة، والذي تبنى لسنوات خطاباً يدعو إلى توسيع صلاحيات جمهورية صربسكا، وطرح استقلالها عن البوسنة والهرسك.
وتشير تقارير عن أنشطة الضغط إلى أن جهود الشركة لم تقتصر على الترويج لاستقلال الإقليم، بل شملت أيضاً العمل على تعزيز الموقع السياسي لدوديك، والسعي إلى رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على مسؤولين وشخصيات مرتبطة بقيادة صرب البوسنة.
ويعكس الجمع بين الهدفين محاولة لتغيير البيئة السياسية والدبلوماسية المحيطة بالإقليم، عبر تحسين علاقاته مع القوى الدولية وتخفيف الضغوط المفروضة على قيادته.
قانون أمريكي يتيح كشف أنشطة الضغط
وقد قُدمت التقارير في إطار قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي، المعروف اختصاراً باسم «FARA»، الذي يفرض على جهات وأفراد يعملون داخل الولايات المتحدة لحساب حكومات أو جهات أجنبية، ضمن نطاق القانون، الإفصاح عن طبيعة علاقتهم بموكليهم وأنشطتهم ومصادر تمويلهم.
ويهدف النظام إلى تعزيز الشفافية بشأن محاولات التأثير الأجنبي في السياسة الأمريكية، ولا يعني تسجيل شركة أو تقديمها تقارير أن الحكومة الأمريكية تؤيد أهدافها أو تصادق على ادعاءاتها.
وفي هذه الحالة، تتيح المستندات المسجلة لدى وزارة العدل الأمريكية الاطلاع على طبيعة التكليف الذي حصلت عليه الشركة، والجهة التي تمثلها، والأنشطة التي تقول إنها نفذتها. لكنها لا تحوّل بالضرورة كل ما يرد في تقارير الشركة عن مواقف أطراف ثالثة إلى حقائق مثبتة بصورة مستقلة.
تداعيات محتملة على استقرار البلقان
وتعيد هذه القضية فتح النقاش بشأن دور شركات الضغط الدولية في النزاعات المرتبطة بوحدة الدول، ومدى قدرتها على نقل المطالب الانفصالية من المستوى المحلي إلى دوائر صنع القرار في العواصم الكبرى.
كما تطرح تساؤلات حول حدود الفصل بين العمل الدبلوماسي المشروع ومحاولات التأثير السياسي التي تستهدف تغيير الوضع الدستوري لدولة معترف بها دولياً، ولا سيما عندما تتداخل هذه الجهود مع العقوبات الدولية والخلافات المتعلقة بشرعية المؤسسات الوطنية.
ومع ذلك، لا تكفي الوثائق المتاحة وحدها للجزم بأن السعودية أو إسرائيل قررتا دعم استقلال جمهورية صربسكا، أو أن تحركات الشركة نجحت في الحصول على تأييد رسمي من أي منهما. ويظل إثبات ذلك مرتبطاً بوجود تصريحات رسمية أو وثائق مستقلة تؤكد طبيعة المواقف التي نُسبت إلى الجانبين.
وتبقى القضية اختباراً جديداً للتوازن الدقيق الذي يحكم البوسنة والهرسك منذ انتهاء الحرب: بين طموحات القيادات المحلية لتوسيع سلطاتها أو الانفصال، والالتزام بوحدة الدولة وترتيبات السلام التي أنهت واحدة من أكثر الحروب دموية في أوروبا خلال أواخر القرن العشرين.
ملاحظة تحريرية قبل النشر: يُفضّل إبقاء كلمة «ادعاءات» أو عبارة «بحسب تقارير شركة الضغط» في العنوان أو المقدمة، وعدم صياغة الخبر على أن السعودية وإسرائيل تدعمان الانفصال بصورة مؤكدة. كما يُستحسن مراجعة نصي التقريرين الأصليين المسجلين لدى وزارة العدل الأمريكية، والقرار الدستوري البوسني، قبل نشر تفاصيل إضافية عن أسماء المسؤولين الذين عُقدت معهم اللقاءات أو مضمونها الدقيق.
