دراسات أوروبية ترصد تحولات في مواقف المسلمين بين الأجيال.. انفتاح اجتماعي تدريجي وعلمنة محدودة


فتحي الضبع 

تشير مجموعة من الدراسات البحثية المنشورة في دوريات علمية متخصصة إلى أن مواقف المسلمين في أوروبا تجاه عدد من القضايا الاجتماعية والدينية تشهد تحولات تدريجية بين الأجيال، في اتجاه يجمع بين زيادة نسبية في تقبل بعض القيم الليبرالية، واستمرار مستويات ملحوظة من التدين والمحافظة الاجتماعية.

وتسلط هذه الدراسات الضوء على العلاقة المعقدة بين الهجرة والاندماج الاجتماعي والهوية الدينية، موضحة أن أبناء المهاجرين المسلمين الذين نشأوا في المجتمعات الأوروبية يميلون، في بعض القضايا، إلى تبني مواقف أكثر تقاربًا مع البيئة المحيطة بهم مقارنة بالجيل الأول من المهاجرين، إلا أن هذا التقارب لا يعني بالضرورة التخلي عن الدين أو تبني منظومة القيم السائدة بالكامل.

وتكتسب هذه النتائج أهمية في ظل استمرار الجدل العام في عدد من الدول الأوروبية بشأن اندماج المسلمين، ومدى تأثير الدين والخلفية الثقافية في مواقفهم من القضايا الاجتماعية، وهي مناقشات كثيرًا ما تتأثر بالانطباعات العامة والصور النمطية أكثر من اعتمادها على الأدلة البحثية.

وتؤكد قراءة هذه النتائج ضرورة التمييز بين الاتجاهات الإحصائية العامة والاختلافات الفردية، إذ لا يمكن تعميم مواقف مجموعة من المشاركين في دراسة على جميع المسلمين في أوروبا، الذين تتباين تجاربهم باختلاف البلدان والأصول الاجتماعية ومستويات التعليم والتدين وظروف الاندماج.

لكن الدراسة كشفت أيضًا عن دور واضح للتدين والممارسة الدينية في استمرار المواقف المحافظة. فالمواظبة على ارتياد المساجد ارتبطت بمواقف أكثر تحفظًا تجاه المثلية الجنسية، وكان هذا الارتباط أقوى لدى المشاركين الذين شعروا بأنهم يتعرضون للتمييز بسبب انتمائهم إلى جماعة اجتماعية أو دينية.

وتشير هذه النتيجة إلى أن الاندماج الثقافي لا يحدث بمعزل عن الظروف الاجتماعية؛ إذ يمكن أن تتفاعل الهوية الدينية مع الشعور بالرفض أو التمييز، بما يعزز التمسك ببعض القيم والمواقف التقليدية.

وبالتالي، لا تقتصر المسألة على صراع بين الدين والليبرالية، بل تتصل أيضًا بكيفية تعامل المجتمعات المضيفة مع الأقليات، ومدى شعور أفرادها بالقبول والانتماء. 

تعدد مسارات الاندماج: قد يتبنى الفرد قيمًا اجتماعية أكثر انفتاحًا مع احتفاظه بهوية دينية قوية، أو قد يحافظ على مواقف محافظة رغم نشأته في المجتمع الأوروبي.

تأثير البيئة المحيطة: يرتبط الاندماج بعوامل تتجاوز الأجيال، ومنها التعليم والتمييز والشعور بالانتماء والعلاقات الأسرية والمجتمعية.

غياب التعميم المطلق: لا توجد قاعدة واحدة تنطبق على جميع المسلمين في أوروبا، كما لا يمكن اختزال العلاقة بين الإسلام والاندماج في ثنائية مبسطة بين المحافظة والليبرالية.

ومن الضروري أيضًا التمييز بين تقبّل الإجهاض، والمواقف من المثلية الجنسية، ومستوى التدين؛ فهذه أبعاد مختلفة لا يمكن اعتبار أحدها مؤشرًا كافيًا على الآخر.

الخلاصة: تكشف الدراسات عن صورة أكثر تعقيدًا من التصورات الشائعة بشأن المسلمين في أوروبا: تقارب اجتماعي تدريجي في بعض القضايا بين الأجيال، يقابله استمرار للتدين والمحافظة لدى قطاعات من المجتمع المسلم. وهي صورة تؤكد أن الاندماج ليس عملية يتخلى فيها الفرد بالضرورة عن هويته الدينية، بل مسار تتغير خلاله بعض المواقف بينما تستمر جوانب أخرى من الهوية والقيم.