رسالة الي السيدالرئيس عبدالفتاح السيسي
صوفيا د.محمد كمال علام
يا سيادة الرئيس..انقذت الوطن من براثن الاخوان والجماعات الارهابية ولكن نريد منك ثورة جديدة علي الفساد والمفسدين
يا سيادة الرئيس
اسأل رئيس الوزراء: هل أنقذنا المواطن من الأزمة أم جعلناه يدفع ثمنها؟
مصر 2026 بين أرقام الاقتصاد الكلي وواقع المواطن.. من يدفع فاتورة الإصلاح؟
هناك سؤال واحد يجب ألا يهرب منه أحد في الحكومة المصرية، ولا ينبغي أن يظل مجرد حديث في الشارع: هل نجحت الدولة في تخفيف العبء عن المواطن المصري.. أم أن المواطن أصبح هو من يدفع الجزء الأكبر من فاتورة الإصلاح الاقتصادي؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى خطابات سياسية، ولا إلى شعارات عن الإنجازات
يحتاج إلى أرقام
ويحتاج إلى أن يجلس رئيس الجمهورية أمام رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية ومحافظ البنك المركزي، ثم يسألهم بوضوح
ماذا حدث للمواطن المصري خلال السنوات الأخيرة؟
هل زادت قوته الشرائية؟
هل أصبحت تكلفة الغذاء والسكن والعلاج والتعليم والنقل أقل بالنسبة إلى دخله؟
هل انخفضت نسبة الأسر التي لا تستطيع مواجهة نفقات طارئة؟
هل أصبحت الطبقة المتوسطة أكثر استقرارًا؟
وهل يشعر المواطن بنتائج النمو الاقتصادي في حياته اليومية، أم أن التحسن ما زال يظهر بصورة أكبر في مؤشرات الاقتصاد الكلي؟
هذه ليست أسئلة معارضة للحكومة
إنها أسئلة دولة
يا سيادة الرئيس.. لا تسأل فقط عن الناتج المحلي، اسأل عن المواطن الحكومة تستطيع أن تقول إن الاقتصاد المصري حقق نموًا قويًا
وهذا صحيح وفق البيانات الدولية
فالبنك الدولي يقول إن الناتج المحلي الحقيقي نما بنسبة 5.3% في النصف الأول من السنة المالية 2025/2026، كما تحسن النشاط في قطاعات التصنيع والسياحة والاتصالات، بينما انخفض التضخم من ذروة بلغت نحو 38% في أواخر 2023 إلى 13.4% في فبراير 2026
وصندوق النقد الدولي أشار إلى أن النمو الحقيقي بلغ 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، وأن النمو خلال الأشهر التسعة الأولى وصل إلى 5.2%
ولكن هنا يبدأ السؤال الأصعب
إذا كان الاقتصاد ينمو.. فهل يشعر المواطن بهذا النمو؟
لأن انخفاض معدل التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه
عندما يرتفع سعر سلعة من 10 جنيهات إلى 20 جنيهًا، ثم يتباطأ ارتفاعها من 30% إلى 15%، فهذا يعني أن سرعة الزيادة انخفضت، وليس أن السلعة عادت إلى سعرها القديم
وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة في الخطاب الحكومي
انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار
ولهذا فإن المواطن قد يسمع أن التضخم انخفض، ثم يذهب إلى السوق ويجد أن فاتورة أسرته ما زالت مرتفعة
وهنا يظهر الفارق بين: استقرار المؤشرات الاقتصادية و استقرار حياة المواطن
أرقام الفقر.. الرقم الذي لا يجوز أن يختفي خلف المؤشرات
آخر رقم رسمي منشور وفق منهجية خط الفقر الوطني يشير إلى أن نسبة الفقر بلغت 33.5% في 2021/2022
وهنا يجب أن نكون دقيقين:لكن البنك الدولي يستخدم أيضًا خطوط فقر دولية للمقارنة بين الدول، ويشير إلى أن نسبة الفقر في مصر وفق خط 4.20 دولار يوميًا بتعادل القوة الشرائية لعام 2021 ارتفعت بنحو خمس نقاط مئوية بين 2022 و2024
لا يصح القول إن 33.5% هو معدل الفقر الحالي في مصر عام 2026
فالرقم يعود إلى مسح سابق، ولا توجد في المصادر التي راجعناها قراءة رسمية مماثلة وحديثة يمكن تقديمها باعتبارها معدل الفقر الحالي لكن هذا لا يلغي السؤال بل يجعله أكثر إلحاحًا:
أين أصبح خط الفقر الحقيقي بعد سنوات من التضخم وتغير سعر الصرف وارتفاع تكاليف المعيشة؟
وهل هناك أسر كانت فوق خط الفقر وأصبحت الآن في منطقة الهشاشة الاقتصادية؟
وهل هناك أسر كانت ضمن الطبقة المتوسطة وأصبحت قريبة من خط الفقر؟
هذه أسئلة تحتاج إلى بيانات حديثة
الأسعار.. المواطن لا يعيش على معدل التضخم بل على فاتورة الشهر
في يونيو 2026، سجل التضخم العام وفق بيانات صندوق النقد 14.3%، بعد ارتفاعه إلى 15.2% في مارس. ويتوقع الصندوق أن يبلغ التضخم نحو 16.7% في النصف الثاني من 2026، بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وتغيرات سعر الصرف وتأثيرات سنة الأساس
وهذه ليست مجرد أرقام في تقرير مالي
كل نقطة مئوية في الأسعار تعني ضغطًا إضافيًا على ميزانية الأسرة
لكن المشكلة الأعمق هي تراكم الزيادات
فأسرة كانت تنفق 10 آلاف جنيه شهريًا قبل سنوات ليست في الوضع نفسه إذا أصبحت تحتاج إلى 20 ألفًا أو أكثر لتوفير الاحتياجات ذاتها
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:هل انخفض التضخم؟بل:كم ارتفعت تكلفة الحياة منذ بداية الأزمة؟
وما مقدار الزيادة في دخل الأسرة مقارنة بالزيادة التراكمية في أسعار الغذاء والسكن والنقل والعلاج والتعليم؟
الأجور.. هل الزيادة الاسمية تعني زيادة حقيقية؟
هنا توجد معلومة مهمة
قررت الحكومة اعتبارًا من يوليو 2026 رفع الحد الأدنى لإجمالي أجور العاملين بأجهزة الدولة إلى 8 آلاف جنيه شهريًا للدرجة السادسة، مع زيادات للدرجات الأعلى. كما تضمنت حزمة الأجور علاوة دورية 12% للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية و15% لغير المخاطبين، وزيادة في الحافز الإضافي
وبحسب وزارة المالية، ارتفعت مخصصات الأجور إلى نحو 821 مليار جنيه في موازنة 2026/2027
هذه زيادة مهمة في الدخل الاسمي
لكن السؤال الاقتصادي الذي يجب ألا نتجاوزه هو
كم تبقى من هذه الزيادة بعد التضخم؟
إذا حصل الموظف على زيادة قدرها 20% مثلًا، بينما ارتفعت تكلفة معيشته بنسبة قريبة من ذلك أو أعلى، فإن الزيادة الاسمية لا تعني بالضرورة زيادة مساوية في مستوى المعيشة
ولهذا يجب أن تتحول الحكومة من قياس
«كم زاد الراتب؟»
إلى قياس
«كم زادت القوة الشرائية للراتب؟»
وهذا هو الرقم الذي يهم المواطن
الدين.. المعركة التي لا يراها المواطن لكنها تأكل من الموازنة
الدين العام ليس مجرد رقم محاسبي
الدين يعني خدمة دين
وخدمة الدين تعني أموالًا تذهب إلى سداد الفوائد والأقساط بدلًا من توجيهها إلى بنود أخرى
البنك الدولي ذكر أن دين الحكومة المركزية انخفض إلى 82.5% من الناتج المحلي في نهاية السنة المالية 2024/2025 مقارنة بـ90.1% في السنة السابقة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن مدفوعات الفائدة ظلت مرتفعة عند 10.6% من الناتج المحلي، بما يحد من المساحة المالية المتاحة
أما صندوق النقد فيتوقع أن يصل الدين العام إلى نحو 91.1% من الناتج المحلي في السنة المالية 2025/2026 وفق تعريفه الأوسع، مع احتياجات تمويل إجمالية تقترب من 42% من الناتج المحلي، ويحذر من استمرار مخاطر الدين وإعادة التمويل
وهنا تظهر قضية شديدة الأهمية
قد ينخفض الدين كنسبة من الناتج، بينما تظل فاتورة خدمته ثقيلة جدًا على الموازنة
ولهذا لا يكفي أن تقول الحكومة
«نحن نخفض نسبة الدين.»
بل يجب أن تجيب أيضًا
كم ندفع سنويًا لخدمة الدين؟
وكم يتبقى بعد ذلك للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار؟
الضرائب.. الدولة تريد موارد أكثر، لكن المواطن يريد ألا يتحول ذلك إلى عبء جديد
الحكومة تستهدف في موازنة 2026/2027 إيرادات عامة تقارب 4 تريليونات جنيه، مع زيادة في الإيرادات المستهدفة، وتعمل على توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الامتثال
وفي أول عشرة أشهر من السنة المالية 2025/2026، ارتفعت الحصيلة الضريبية بنسبة 29.3% على أساس سنوي إلى 2.21 تريليون جنيه، وفق بيانات حكومية
وهنا يجب التفريق بين أمرين
توسيع القاعدة الضريبية ومكافحة التهرب من ناحية و تحميل المواطن الملتزم أعباء جديدة من ناحية أخرى
الرئيس عقد في مارس 2026 اجتماعًا مع رئيس الوزراء ووزير المالية، وأكدت الرئاسة أن التوجه هو توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الامتثال دون خلق أعباء إضافية مؤثرة على المواطنين أو مجتمع الأعمال
إذن السؤال الذي يجب أن يبقى أمام الحكومة
هل زيادة الإيرادات تأتي من توسيع النشاط الاقتصادي ومحاربة التهرب، أم يشعر المواطن الملتزم بأنه يدفع بصورة متزايدة؟
الفرق بين الاثنين جوهري الدعم.. هل يصل إلى المواطن أم يتحول إلى رقم في الموازنة؟ خصصت موازنة 2026/2027 نحو 832.3 مليار جنيه للدعم والحماية الاجتماعية، بزيادة 12%، بحسب وزارة المالية ومن بينها:175.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية
• 55.3 مليار جنيه لبرامج مثل تكافل وكرامة والضمان الاجتماعي ومعاشات الأطفال
104.2 مليار جنيه لدعم الكهرباء
13 مليار جنيه لدعم الإسكان لمحدودي ومتوسطي الدخل
كما أعلنت الحكومة في فبراير 2026 حزمة دعم بقيمة 40.3 مليار جنيه لمواجهة آثار ارتفاع أسعار الطاقة، شملت تحويلات نقدية مؤقتة وإجراءات أخرى للحماية الاجتماعية
إذن هناك إنفاق اجتماعي كبير
لكن السؤال الصحفي الموضوعي ليس إنكار وجوده
السؤال هو:هل حجم الدعم يتناسب مع حجم ارتفاع تكلفة المعيشة؟
وهل يصل الدعم في الوقت المناسب إلى الأسرة الأكثر احتياجًا؟
وهل توجد أسر لا تحصل على الدعم رغم حاجتها إليه؟
وهل هناك دعم يمكن إعادة توجيهه بصورة أكثر كفاءة؟
هذه أسئلة تستحق أرقامًا لا شعارات
أين تذهب أموال الموازنة؟
موازنة 2026/2027 قدرت إجمالي المصروفات بنحو 5.188 تريليون جنيه وفق القانون المنشور، بينما بلغت مخصصات الأجور نحو 822.8 مليار جنيه
وتستهدف الحكومة فائضًا أوليًا قدره 5% من الناتج المحلي، وخفض العجز الكلي إلى 4.9%، وخفض الدين إلى نحو 78% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027
هذه أهداف مالية مهمة
لكن المواطن يريد أن يعرف شيئًا آخر
ماذا سيحصل عليه مقابل كل هذه الإجراءات؟
هل ستنخفض تكلفة الخدمات؟
هل ستتحسن المدارس؟
هل سيجد علاجًا أفضل؟
هل سينخفض زمن الانتظار؟
هل تتحسن وسائل النقل؟
هل تنخفض تكلفة السكن؟
هل يحصل الشاب على وظيفة ذات دخل حقيقي؟
لأن الإصلاح المالي في النهاية يجب أن يتحول إلى نتيجة اجتماعية محسوسة
الخطر الحقيقي ليس «الانفجار».. بل تراكم الضغط
لا ينبغي لأحد أن يتعامل مع عبارة «الانفجار الاجتماعي» باعتبارها توقعًا حتميًا
ولا توجد قاعدة علمية تسمح لنا بالقول إن مصر ستصل حتمًا إلى مثل هذه الحالة
لكن هناك مفهومًا أكثر دقة
تراكم الضغط الاجتماعي والاقتصادي
وصندوق النقد نفسه حذر في يوليو 2026 من مخاطر مرتبطة بصعوبة استمرار السياسات المالية والنقدية المشددة في ظل ارتفاع الضغوط الاجتماعية، إلى جانب مخاطر الدين واحتياجات إعادة التمويل
وهذا هو الملف الذي يجب أن تهتم به الدولة
لأن الأسرة لا تنهار اقتصاديًا في يوم واحد
تبدأ القصة غالبًا بتقليص الاستهلاك
ثم تقليل الادخار
ثم الاقتراض
ثم بيع بعض الممتلكات
ثم الاستغناء عن خدمات أو احتياجات أساسية
ثم تأجيل العلاج
ثم تقليص الإنفاق على التعليم
وعندما تتسع هذه الظاهرة، تتحول الأزمة الاقتصادية من مشكلة دخل إلى مشكلة تماسك اجتماعي
وهنا تصبح الوقاية أقل تكلفة بكثير من العلاج
يا سيادة الرئيس.. اسأل السؤال الأصعب
السؤال الذي ينبغي أن يوضع أمام الحكومة ليس
هل نفذنا برنامج الإصلاح؟ بل:ماذا فعل برنامج الإصلاح في حياة المواطن؟
إذا كان البرنامج قد ساعد في استعادة الاستقرار النقدي وتحسين الاحتياطيات والنمو، فهذا يجب أن يظهر في البيانات
وإذا كانت هناك تكلفة اجتماعية مرتفعة، فيجب أن تظهر أيضًا في البيانات
لا يجوز أن نأخذ الأرقام التي تناسبنا ونترك الأرقام التي تزعجنا
الاقتصاد ليس نشرة علاقات عامة
الاقتصاد هو حساب شامل للمكاسب والخسائر
ما الذي يجب أن يطلبه الرئيس من رئيس الوزراء؟
أقترح أن يكون هناك اجتماع واحد بعنوان
«حساب المواطن المصري»
ولا يبدأ الاجتماع بالناتج المحلي
بل يبدأ بالأسئلة التالية
ـ القوة الشرائية كم ارتفع الدخل الحقيقي للمواطن بعد احتساب التضخم؟ـ الغذاء
كم تحتاج الأسرة المصرية المتوسطة شهريًا لتوفير سلة غذاء أساسية؟
وكيف تغير هذا الرقم خلال عام؟ ـ السكن
ما نسبة دخل الأسرة التي تذهب إلى السكن؟
كم أصبحت تكلفة العلاج والدواء مقارنة بالدخل؟ ـ العلاج
كم أصبحت تكلفة تعليم طفل واحد؟ ـ التعليم
كم تستهلك المواصلات من دخل الأسرة؟ ـ النقل
كم عدد الأسر التي تقع تحت خط الفقر؟ ـ الفقر والهشاشة
وكم عدد الأسر التي أصبحت فوق خط الفقر لكنها معرضة للسقوط تحته عند أول صدمة؟
كم عدد الأسر التي تضطر إلى الاقتراض لتغطية احتياجاتها الأساسية؟ ـ الديون الأسرية
كم انخفضت أو ارتفعت قدرتها على الادخار؟ ـ الطبقة المتوسطة
هل الوظائف الجديدة وظائف حقيقية ذات دخل مستقر، أم مجرد عمل منخفض الإنتاجية ـ الوظائف والدخل؟
الحل ليس في «زيادة المرتبات» فقط
هذه نقطة يجب أن تكون واضحة
إذا رفعت الدولة الأجور دون زيادة الإنتاج، فقد يعود جزء من أثر الزيادة إلى الأسعار
وإذا خفضت الدعم بصورة مفاجئة، فقد يرتفع العبء على الأسر
وإذا رفعت الضرائب على النشاط الاقتصادي، فقد تتأثر الاستثمارات
وإذا استمرت في الاقتراض لسد فجوات الإنفاق، فقد تزداد أعباء خدمة الدين
إذن القضية ليست قرارًا واحدًا
إنها معادلة كاملة
إنتاج + استثمار + وظائف + حماية اجتماعية + انضباط مالي + خفض تكلفة المعيشة
العلاج الحقيقي يبدأ من الإنتاج
مصر لا تستطيع أن تحل مشكلتها الاقتصادية بصورة مستدامة عن طريق زيادة الإنفاق فقط
الحل طويل المدى هو أن تنتج أكثر أن تصدر أكثر أن توفر وظائف أفضل
أن تقلل فاتورة الاستيراد حيثما كان ذلك اقتصاديًا ممكنًا
أن تزيد التصنيع المحلي
أن تدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة
أن تجذب استثمارات منتجة
أن تخلق اقتصادًا قادرًا على توليد العملة الأجنبية بصورة مستدامة
ولهذا فإن تركيز الحكومة وصندوق النقد على زيادة دور القطاع الخاص والإنتاج والتصدير ليس مجرد شعار؛ بل جزء أساسي من برنامج الإصلاح
لكن المواطن يريد أن يعرف:متى تتحول هذه الإصلاحات إلى وظيفة ودخل وسكن وعلاج وتعليم أفضل؟
لا تجعل المواطن وحده يدفع ثمن الإصلاح
الإصلاح الاقتصادي له تكلفة
وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها
لكن السؤال السياسي والاجتماعي هو:كيف توزع الدولة هذه التكلفة؟
هل يدفع محدود الدخل أكثر؟
هل يدفع متوسط الدخل أكثر؟
هل يدفع أصحاب الدخول الأعلى نصيبًا مناسبًا؟
هل يتم تحصيل الضرائب بصورة عادلة؟
هل تتم مكافحة التهرب؟
هل تحصل الدولة على عائد عادل من الأصول والاستثمارات؟
هل يتم توجيه الإنفاق إلى المجالات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي الأعلى؟
كل هذه الأسئلة يجب أن تكون مطروحة على الطاولة
لأن الإصلاح الذي يشعر المواطن أنه موزع بعدالة يمكن أن يكون أكثر قابلية للتحمل من إصلاح يشعر فيه بأن التكلفة تقع عليه وحده
المطلوب «عقد اجتماعي اقتصادي» جديد
مصر تحتاج إلى اتفاق واضح مع المواطن
الدولة تقول ماذا ستفعل، والمواطن يعرف ماذا سينتظر ومتى
إذا رفعت الأسعار نتيجة إصلاح معين، يجب أن يعرف المواطن لماذا
إذا زادت الضرائب، يجب أن يعرف من يتحملها ولماذا
إذا زاد الدعم، يجب أن يعرف من المستفيد
إذا زادت الأجور، يجب أن يعرف كيف ستتم حماية الزيادة من التضخم
إذا انخفض الدين، يجب أن يرى أثر ذلك تدريجيًا على الخدمات والإنفاق
وإذا تحسن الاقتصاد، يجب أن يظهر التحسن في حياة الناس
هذه هي الشفافية الحقيقية
قبل أن نسأل المواطن أن يصبر.. يجب أن نجيبه عن السؤال
كثيرًا ما يُطلب من المواطن أن يتحمل أن يصبر-أن ينتظر-أن يتحمل ارتفاع الأسعار-أن يتحمل الإصلاح -أن يتحمل صعوبة الظروف الدولية -والمواطن بالفعل تحمل الكثير
لكن هناك سؤالًا مشروعًا:إلى متى؟ ليس بمعنى رفض الإصلاح بل بمعنى:ما الجدول الزمني للنتائج؟
متى ستصبح القوة الشرائية أفضل؟
متى يصبح التضخم منخفضًا بصورة مستقرة؟
متى تنخفض خدمة الدين؟
متى تتراجع تكلفة المعيشة؟
متى تتوسع الوظائف ذات الدخل الجيد؟
ومتى يستطيع المواطن أن يرى أثر التحسن الاقتصادي في فاتورة أسرته؟
مصر لا تحتاج إلى تخويف المواطن.. ولا إلى تخديره
المطلوب ليس أن نقول إن مصر على وشك الانهيار هذا غير مدعوم بالبيانات المتاحة
ففي المقابل، هناك بالفعل مؤشرات تحسن مهمة: نمو اقتصادي، ارتفاع في الاحتياطيات، تحسن في بعض المؤشرات المالية، وزيادة في موارد الدولة. البنك الدولي وصندوق النقد كلاهما يصفان الاقتصاد بأنه أظهر قدرة على الصمود، مع بقاء مخاطر مهمة
لكن المطلوب أيضًا ألا تقول الحكومة إن كل شيء أصبح على ما يرام
لأن ذلك لا تعكسه كل المؤشرات الاجتماعية
الصورة الحقيقية أكثر تعقيدًا:الاقتصاد يتحسن في بعض المؤشرات، بينما لا تزال تكلفة المعيشة والقدرة الشرائية والضغوط الاجتماعية تمثل تحديًا كبيرًا
وهذه ليست كارثة لكنها أيضًا ليست مشكلة يمكن تجاهلها
السؤال الذي يجب أن يظل على مكتب رئيس الوزراء
أقترح أن تكون هناك ورقة واحدة على مكتب رئيس مجلس الوزراء كل شهر، لا تحتوي على عشرات الصفحات عنوانها
«هل أصبحت حياة المواطن المصري أفضل؟»
وتحت العنوان عشرة أرقام
التضخم — أسعار الغذاء — الأجر الحقيقي — تكلفة السكن — تكلفة النقل — تكلفة العلاج — معدل الفقر — البطالة — الدين وخدمته — حجم الحماية الاجتماعية
ثم سؤال أخير
هل تحسن الرقم أم تراجع؟
إذا تحسن، فالحكومة تعرف أنها تسير في الاتجاه الصحيح
إذا تراجع، فلا بد من تعديل السياسات
لا ينبغي انتظار تقرير سنوي
ولا ينبغي انتظار أزمة
ولا ينبغي انتظار احتجاج اجتماعي أو اضطراب اقتصادي حتى تبدأ الدولة في البحث عن الحلول
الحكومات الناجحة لا تنتظر وصول المواطن إلى الحافة حتى تسأله لماذا سقط
: يا سيادة الرئيس.. المواطن ليس رقمًا في الموازنة
يا سيادة الرئيس،قد تكون الدولة قد نجحت في منع سيناريوهات اقتصادية أصعب
وقد تكون بعض المؤشرات الكلية قد تحسنت
وقد تكون الاحتياطيات قد ارتفعت
وقد يكون النمو قد عاد
وقد تكون الحكومة قد خصصت مئات المليارات للحماية الاجتماعية
كل ذلك يجب أن يُحسب
لكن هناك رقمًا واحدًا لا يجب أن يختفي وسط كل هذه الأرقام
المواطن المصري
المواطن الذي يذهب إلى السوق
المواطن الذي يدفع فاتورة الكهرباء
المواطن الذي يدفع المواصلات
المواطن الذي يبحث عن مدرسة لابنه
المواطن الذي يحتاج إلى دواء
المواطن الذي ينتظر وظيفة
المواطن الذي يحاول أن يحتفظ ببيته وأسرته ومستوى معيشته
هذا المواطن هو الاختبار النهائي لأي سياسة اقتصادية
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يوجهه الرئيس إلى رئيس الوزراء ليس
كم حققنا من نمو؟ ولا:كم مليار دولار دخل البلاد؟ ولا:كم انخفض الدين؟ بل:قل لي بصراحة.. هل خففنا العبء عن كاهل المصريين، أم أن المواطن هو الذي دفع ثمن الأزمة والإصلاح معًا؟
ثم يأتي السؤال الثاني:
«إذا كان المواطن لا يزال يعاني.. فما الذي سنغيره؟ ومتى؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟ ومتى سيشعر المواطن بالنتيجة؟»
وهنا فقط يتحول الحديث عن الإصلاح الاقتصادي من لغة الأرقام إلى سياسة تخدم الإنسان
فالدولة لا تقاس فقط بحجم اقتصادها
الدولة تقاس أيضًا بقدرتها على حماية مواطنيها من أن يتحول الإصلاح إلى عبء دائم، ومن أن يتحول الفقر إلى وضع طبيعي، ومن أن تتحول الطبقة المتوسطة إلى طبقة مهددة بالسقوط
ومصر لا تحتاج إلى انتظار لحظة الانفجار حتى تتحرك
المطلوب هو أن تتحرك قبلها بوقت طويل؛ بالأرقام، وبالعدالة، وبالإنتاج، وبالحماية الاجتماعية، وبخفض تكلفة الحياة.
لأن أفضل وقت لمنع الأزمة الاجتماعية ليس عندما تبدأ في الانفجار
بل عندما تبدأ أعراضها الأولى في الظهور
وهذه هي اللحظة التي يجب أن تسأل فيها الحكومة نفسها، بكل صراحة
هل نحن نُنقذ المواطن من الأزمة.. أم نطلب من المواطن أن ينقذ الدولة من الأزمة؟
ملاحظة تحريرية مهمة: أبقيتُ في النص على عبارة «مخاطر الضغط الاجتماعي» بدل تقديم «الانفجار» كحدث متوقع أو حتمي؛ فصندوق النقد نفسه يذكر الضغوط الاجتماعية كأحد المخاطر المحلية، لكنه لا يتنبأ بانفجار اجتماعي في مصر. كما تعمدت عدم تقديم رقم 33.5% باعتباره معدل الفقر الحالي في 2026، لأنه يعود إلى 2021/2022
