تايلاند على صفيح ساخن.. احتجاجات ضد سياح إسرائيليين وتحقيقات في المدارس والأعمال والمقابر
تصاعد الغضب المحلي يثير أسئلة بشأن احترام القوانين والسيادة التايلاندية، وسط تحذيرات من تعميم الاتهامات على جميع الإسرائيليين أو استهداف اليهود بسبب ديانتهم
فتحي الضبع
تشهد تايلاند تصاعدًا في الجدل العام بشأن وجود السياح الإسرائيليين وبعض الأنشطة المرتبطة بالجاليات الأجنبية، مع خروج احتجاجات في العاصمة بانكوك وجزيرة بوكيت، ومطالبة ناشطين بتشديد الرقابة على الأنشطة التجارية والتعليمية والعقارية التي يُشتبه في مخالفتها للقوانين المحلية.
وتجاوزت القضية حدود الخلافات الفردية لتصبح موضوعًا للنقاش السياسي والإعلامي، في ظل تساؤلات بشأن ملكية الأراضي، واحترام الثقافة المحلية، ومدى التزام بعض الأجانب بشروط الإقامة والعمل وممارسة الأنشطة التجارية
مظاهرات أمام السفارة الإسرائيلية في بانكوك
في 10 سبتمبر 2026، شهدت العاصمة التايلاندية بانكوك مظاهرة أمام السفارة الإسرائيلية، شارك فيها مئات الأشخاص بقيادة الناشط السياسي والإعلامي التايلاندي سوندي ليمثونغكول، ضمن حملة حملت شعار «استعيدوا تايلاند».
وطالب المحتجون السلطات الإسرائيلية بالتنبيه على مواطنيها بضرورة احترام القوانين والثقافة التايلاندية، كما دعوا إلى التعاون مع السلطات المحلية في التحقيقات المتعلقة بالمخالفات المشتبه بها، وإجراء تحقيقات شفافة بشأن ملكية الأراضي وبعض المؤسسات المرتبطة بجاليات أجنبية.
ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس، جاءت المظاهرة في سياق تزايد الاهتمام العام بحوادث منسوبة إلى زوار أجانب، كان من بينهم إسرائيليون، مع تأكيد أن حوادث أخرى أثارت غضبًا مماثلًا وشملت مواطنين من جنسيات مختلفة.
500 متظاهر في بوكيت وإلغاء احتفال يهودي
امتدت الاحتجاجات إلى جزيرة بوكيت السياحية، حيث تجمع أكثر من 500 متظاهر في 11 سبتمبر أمام مركز «حباد» في منطقة باتونغ، احتجاجًا على أنشطة مرتبطة بالجالية اليهودية المحلية.
ورفع بعض المشاركين لافتات من بينها «أنقذوا بوكيت.. لا لإسرائيل»، ورددوا هتافات مؤيدة لفلسطين. وأُلغيت مأدبة كانت مقررة للاحتفال برأس السنة اليهودية، بعد مخاوف أمنية وطلب من جهات أمنية إسرائيلية
وأظهرت هذه الأحداث أن الجدل لم يعد مقتصرًا على شكاوى فردية، بل امتد إلى أنشطة دينية واجتماعية أيضًا. غير أن الاعتراض على مركز ديني أو تجمع يهودي لا يُعد في حد ذاته دليلًا على ارتكاب مخالفة قانونية، كما أن الشعارات المعادية لليهود أو المطالبة بإقصائهم بسبب هويتهم تثير مخاوف منفصلة عن حق السلطات في التحقيق في أي مخالفات مثبتة.
مدرسة غير مرخصة تضم 89 طفلًا إسرائيليًا
!
في الأول من مايو 2026، داهمت السلطات التايلاندية منشأة تعليمية في جزيرة كوه فانغان، بعدما اشتبهت في تشغيلها مدرسة دون الترخيص المناسب.
وذكرت صحيفة The Nation Thailand أن المنشأة كانت مرخصة كمركز لرعاية 18 طفلًا تتراوح أعمارهم بين عامين وخمسة أعوام، بينما عثرت السلطات على 89 طفلًا إسرائيليًا، تتراوح أعمارهم بين عامين و12 عامًا. وأشارت التقارير إلى أن العدد الإجمالي للأطفال المرتبطين بالمؤسسة تجاوز 100 طفل.
وبحسب التقارير المنشورة، أُلقي القبض على عدد من الأشخاص على خلفية الاشتباه في تشغيل المدرسة بصورة غير قانونية، وتوظيف أجانب دون التصاريح اللازمة، ومخالفات متعلقة بحماية الأطفال.
وتعكس القضية تحديًا يتعلق بتنظيم الخدمات التعليمية التي تقدمها مجموعات أجنبية لعائلاتها في المناطق السياحية. لكنها لا تعني أن الأطفال أو أسرهم ارتكبوا مخالفات لمجرد جنسيتهم؛ إذ ينبغي تحديد المسؤوليات القانونية لكل طرف وفق نتائج التحقيقات.
تفتيش أكثر من 361 منشأة تجارية في بوكيت
وفي تطور آخر، أعلنت السلطات التايلاندية توسيع عمليات التفتيش لتشمل أكثر من 361 منشأة تجارية في بوكيت، عقب خلاف وقع خلال تفتيش مركز حباد في باتونغ.
ووفقًا لصحيفة The Nation Thailand، تركزت التحقيقات على الاشتباه في استخدام مواطنين تايلانديين كواجهات قانونية لمستثمرين أجانب، بما يسمح لهم بالسيطرة الفعلية على شركات أو أنشطة لا تسمح القوانين بامتلاكها أو تشغيلها بهذه الصورة.
وشملت المنشآت المستهدفة فنادق وفيلات ومطاعم وشركات سياحية، مع تأكيد السلطات أن الحملة تستهدف التحقق من الالتزام بالقانون، وليس استهداف جنسية أو ديانة بعينها.
وتظل هذه النقطة جوهرية في فهم الأزمة؛ فوجود تحقيقات أو عمليات تفتيش لا يعني ثبوت جميع الاتهامات المتداولة، كما أن الاشتباه في استخدام واجهات محلية يحتاج إلى أدلة وإجراءات قانونية قبل إصدار أحكام نهائية.
مقبرة يهودية تثير نزاعًا بشأن التراخيص
وفي ملف منفصل، أثارت مقبرة يهودية في إقليم تشاتشونغساو جدلًا بعد أن قررت السلطات أن ترخيصها لم يُجدد، وأن موقعها لا يستوفي الاشتراطات القانونية المتعلقة بالمسافة من مجرى مائي.
وذكرت صحيفة Bangkok Post في 15 سبتمبر أن رفات أربعة أشخاص نُقلت من الموقع إلى مقبرة مرخصة في إقليم تشونبوري المجاور، بحضور مسؤولين محليين. وكان من بين المتوفين ثلاثة إسرائيليين ومواطنة بريطانية، وفق بيانات الوفاة وجوازات السفر التي أوردها التقرير. nationthailand +1
وأوضحت التقارير أن المقبرة حصلت على ترخيص في عام 2021، لكن السلطات رفضت تجديده في عام 2024 بعد مراجعة موقعها والاشتراطات المتعلقة بالمياه. كما تناولت التحقيقات صلات تجارية محتملة، إلا أن المسؤولين أشاروا في تقرير سابق إلى أنهم لم يحددوا جريمة أصلية تثبت وجود غسل أموال في ملف المقبرة وقت إجراء التفتيش
وبالتالي، فإن نقل الرفات ارتبط بإجراءات تنظيمية وترخيصية، ولا ينبغي تقديمه باعتباره دليلًا على ارتكاب جريمة مالية أو دينية ما لم تثبت ذلك نتائج التحقيقات.
ماذا يقول الشارع التايلاندي؟
أشارت نتائج استطلاع أجراه مركز «نيدا بول» بين 8 و10 سبتمبر، وشمل 1410 بالغين في بانكوك وخمس مناطق تايلاندية، إلى أن 76.38% من المشاركين سمعوا تقارير إعلامية عن سلوكيات غير ملائمة أو مخالفات يُشتبه في تورط إسرائيليين فيها، بينما قال 5.11% إن لديهم خبرة مباشرة بهذه الوقائع.
ومن بين 1164 مشاركًا قالوا إنهم سمعوا تلك التقارير أو لديهم خبرة مباشرة، أيد 77.49% التطبيق الصارم للقانون. وكانت أبرز المخاوف المعلنة عدم احترام القانون، تليها الشكاوى المتعلقة بطريقة التعامل مع السكان والثقافة المحلية.
لكن هذه الأرقام تقيس آراء المشاركين ومدى تعرضهم للتقارير أو تجاربهم المعلنة، ولا تثبت بذاتها صحة جميع الادعاءات. كما أن العينة شملت مناطق محددة، فلا يجوز التعامل معها باعتبارها قياسًا شاملًا لمواقف جميع التايلانديين.
السياحة والاقتصاد في قلب الأزمة
تكتسب القضية أهمية إضافية بسبب مكانة السياحة في الاقتصاد التايلاندي. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن أكثر من 277 ألف إسرائيلي زاروا تايلاند خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بزيادة تقارب 7% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات وزارة السياحة والرياضة التايلاندية.
وفي مواجهة الانتقادات، قالت السفارة الإسرائيلية إنها تأخذ المخاوف بجدية، وإنها ستعمل على توفير إرشادات عملية للمسافرين بشأن احترام القوانين والثقافة المحلية. كما شدد وزير الخارجية التايلاندي على أن ترحيب بلاده بالسياح لا يمنح أي زائر، بصرف النظر عن جنسيته، حق مخالفة القانون. AP News
وفي المقابل، فإن استمرار الخطاب الذي يربط جميع الإسرائيليين أو اليهود باتهامات فردية أو جماعية غير مثبتة قد يؤدي إلى توسيع دائرة التوتر، بما يضر بالعلاقات بين المجتمعات المحلية والزوار، فضلًا عن انعكاساته على السياحة والتبادل الثقافي.
تحركات جديدة مرتقبة في بوكيت
وبحسب صحيفة The Phuket News في تقرير نُشر يوم 22 أكتوبر، يستعد منظمو حملة محلية لتنظيم تجمع جديد في بوكيت يوم 31 أكتوبر، بمشاركة مجموعات مدنية وسياسية، للاحتجاج على ما يصفونه بأنشطة غير قانونية ورؤوس أموال مشبوهة مرتبطة بمصالح إسرائيلية ومركز حباد.
وأشارت الصحيفة إلى أن تحقيقًا إقليميًا أوليًا نُشرت نتائجه في 30 سبتمبر لم يجد مخالفات في المعاملات المالية التي جرى فحصها حتى ذلك الوقت، لكنه رصد مشكلات تتعلق باستخدام مساحة مخصصة لمواقف السيارات كمطعم أو مقهى، وهيكل غير مصرح به على السطح، إلى جانب منتجات مستوردة احتاجت إلى مزيد من الفحص. وأضاف التقرير أن التحقيق لم يثبت الاتهامات الأوسع التي طرحها منظمو الاحتجاجات.
تكشف التطورات في تايلاند عن تقاطع ثلاثة ملفات: تطبيق القانون على السياح والمستثمرين الأجانب، ومخاوف بعض المجتمعات المحلية من تغيرات في مناطقها، وتصاعد التوتر السياسي المرتبط بإسرائيل والحرب في الشرق الأوسط.
وبينما يطالب المحتجون بتشديد الرقابة على الأنشطة التي يشتبه في مخالفتها للقانون، تواجه السلطات التايلاندية مهمة تحقيق التوازن بين حماية السيادة والمجتمعات المحلية، والحفاظ على السياحة، وضمان حرية المعتقد وعدم التمييز.
وتبقى القاعدة الأساسية أن المخالفات تُثبت بالأدلة، وتُحدد المسؤولية على أساس الأفعال الفردية والوقائع القانونية، لا على أساس الجنسية أو الدين.
