بعد 59 عامًا من وفاته.. جثمان أمريكي محفوظ بالتبريد في انتظار حلم العودة إلى الحياة
فتحي الضبع
في واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في تاريخ الطب والعلوم، لا يزال جثمان الأمريكي جيمس هيرام بيدفورد، الذي توفي في 12 يناير 1967 عن عمر ناهز 73 عامًا، محفوظًا بالتبريد العميق داخل منشأة متخصصة في الولايات المتحدة، على أمل أن تتمكن التطورات العلمية في المستقبل من تحقيق ما لا يستطيع الطب فعله حاليًا: استعادة وظائف الجسم والدماغ بعد الوفاة.
وبعد مرور 59 عامًا على وفاته، لا تزال قصة بيدفورد، أستاذ علم النفس المتقاعد، تمثل أحد أشهر الأمثلة على ما يُعرف باسم «الحفظ بالتبريد بعد الوفاة» (Cryonics)، وهي ممارسة تقوم على حفظ أجساد أشخاص بعد إعلان وفاتهم القانونية، باستخدام درجات حرارة شديدة الانخفاض، على أمل أن تتيح تقنيات مستقبلية إصلاح الأضرار التي أدت إلى الوفاة، ثم استعادة الحياة.
لكن بقاء الجثمان محفوظًا في درجات حرارة منخفضة لا يعني أن صاحبه لا يزال حيًا، كما لا توجد حتى الآن أدلة علمية تثبت إمكانية إعادة إنسان توفي وحُفظ بهذه الطريقة إلى الحياة من جديد.
وفاة بالسرطان وبداية تجربة غير مسبوقة
وُلد جيمس هيرام بيدفورد في 20 أبريل 1893، وعمل أستاذًا لعلم النفس قبل تقاعده. ومع إصابته بمرض السرطان وانتشاره، قرر الاستفادة من فكرة كانت لا تزال في مراحلها المبكرة، وهي حفظ الجثمان في درجات حرارة شديدة الانخفاض، على أمل أن يتمكن الطب مستقبلًا من علاج المرض واستعادة وظائف الجسم.
وفي 12 يناير 1967، أصبح بيدفورد أول إنسان يُحفظ بالتبريد العميق بعد الوفاة في إطار مشروع يستهدف إمكانية إعادته إلى الحياة مستقبلًا، وفقًا لموسوعة غينيس للأرقام القياسية.
لم تبدأ العملية باستخدام التقنيات المتطورة المتاحة اليوم؛ إذ استُخدم الثلج الجاف في المراحل الأولى، قبل نقل الجثمان إلى وعاء خاص يُعرف باسم «ديوار» (Dewar)، وهو حاوية معزولة مصممة للحفاظ على النيتروجين السائل ودرجات الحرارة المنخفضة للغاية.
وتبلغ درجة حرارة النيتروجين السائل نحو 196 درجة مئوية تحت الصفر، وهي درجة تساعد على إبقاء الأنسجة في حالة تجمد عميق، لكنها لا تعني بالضرورة الحفاظ على الخلايا والأعضاء سليمة وقابلة لاستعادة وظائفها لاحقًا.
ماذا حدث عندما فُتح خزان بيدفورد عام 1991؟
بعد نحو 24 عامًا من بدء عملية الحفظ، وتحديدًا في 25 مايو 1991، نُقل بيدفورد من خزان قديم إلى حاوية تبريد أحدث، وأُجري فحص بصري خارجي لحالته.
وتكشف الوثائق المنشورة في مجلة Cryonics أن عملية إخراج الجثمان لم تكن مجرد فتح غطاء وفحص سريع؛ فقد استُخدمت أدوات لقطع الغلاف المعدني للخزان، ثم نُقل الجثمان إلى حوض معزول يحتوي على النيتروجين السائل، حتى يمكن فحصه مع تجنب ارتفاع درجة حرارته.
وأظهرت المعاينة أن الجثمان ظل متجمدًا، مع وجود تغيرات في لون بعض مناطق الجلد وآثار بدت كأنها شقوق أو كسور سطحية في أنسجة الصدر. كما لاحظ الفاحص وجود دم متجمد حول الفم والأنف.
وخلص التقرير إلى أن الجثمان لم يتعرض لارتفاع حراري فوق درجة الصفر المئوي خلال فترة الحفظ، وفق المؤشرات التي أمكن رصدها. لكن الفحص كان محدودًا؛ إذ أُجري والجثمان مغمور في النيتروجين السائل، ولم يشمل فحصًا كاملًا لجميع الأنسجة أو تقييمًا لقدرة الدماغ على استعادة وظائفه.
وهنا تكمن أهمية الواقعة: نجاح عملية الحفظ في إبقاء الجثمان متجمدًا ليس دليلًا على نجاح عملية إعادته إلى الحياة، فالأمران مختلفان علميًا بصورة جوهرية.
كيف انتقل الجثمان بين مواقع الحفظ؟
لم تكن رحلة بيدفورد مستقرة في السنوات الأولى؛ فقد انتقل بين جهات ومواقع مختلفة نتيجة تكاليف الحفظ والخلافات القانونية التي دارت حول استمرار الاحتفاظ بجثمانه بدلًا من دفنه.
وبحسب موسوعة غينيس، نُقل إلى منشأة شركة «غاليسو» في كاليفورنيا عام 1969، ثم انتقلت مسؤولية رعايته لاحقًا إلى مؤسسة ألكور (Alcor Life Extension Foundation).
وفي عام 1994، انتقل مع مرضى محفوظين آخرين إلى سكوتسديل بولاية أريزونا، حيث توجد منشأة ألكور. وتُعد المؤسسة من أبرز الجهات الأمريكية العاملة في مجال الحفظ بالتبريد.
وبذلك، فإن الحديث عن وجود الجثمان في منشأة ألكور يستند إلى السجل التاريخي المنشور، وليس إلى افتراض أن بيدفورد خضع لتجارب متكررة لإعادته إلى الحياة؛ فلا توجد واقعة موثقة تثبت نجاح إحياء إنسان بعد حفظه بالتبريد عقب الوفاة.
هل يستطيع العلم إعادة بيدفورد إلى الحياة؟
يمثل هذا السؤال جوهر الجدل المحيط بتجربة بيدفورد. فمؤيدو الحفظ بالتبريد يراهنون على أن التقدم المستقبلي في الطب والهندسة الحيوية قد يتيح إصلاح الأضرار الخلوية، وعلاج الأمراض التي تسببت في الوفاة، وربما استعادة وظائف الجسم والدماغ.
لكن الطريق إلى تحقيق ذلك لا يزال مليئًا بعقبات علمية ضخمة، من بينها الأضرار التي قد تسببها بلورات الثلج للأنسجة، والتغيرات التي تحدث أثناء التبريد، والحفاظ على البنية الدقيقة للدماغ، ثم إعادة تشغيل الأعضاء والأنظمة الحيوية بصورة متكاملة.
وأشار تقرير نشره المعهد الأمريكي للفيزياء عام 2017 إلى أن إمكانية إحياء البشر المحفوظين بالتبريد لا تزال موضع شك علمي واسع، وأن حتى الحفاظ على أعضاء بشرية كاملة بحيث تستعيد وظائفها بعد التجميد يواجه تحديات كبيرة.
وعليه، لا توجد حتى الآن تقنية مثبتة علميًا تستطيع إعادة إنسان توفي وحُفظ جثمانه بالتبريد إلى حياة طبيعية، كما لا يمكن تحديد موعد موثوق لتحقيق ذلك.
تجربة بين الأمل العلمي والجدل الأخلاقي
تتجاوز قصة جيمس بيدفورد حدود تجربة طبية غير تقليدية؛ فهي تفتح أسئلة فلسفية وأخلاقية عن الموت، وحدود العلم، وحق الإنسان في اتخاذ قرارات تتعلق بجثمانه، ومدى مسؤولية المؤسسات التي تتعهد بحفظه لعقود طويلة.
وبينما يرى مؤيدو هذه الممارسة أنها رهان على إمكانات المستقبل، يعتبر منتقدوها أن الوعود بإعادة الموتى إلى الحياة تظل غير مثبتة، وأن استمرار حفظ الجثمان لا يقدم ضمانًا بأن التقنيات اللازمة ستظهر يومًا ما.
وبعد مرور 59 عامًا على وفاة بيدفورد، لا تزال قصته قائمة بين حقيقة يمكن التحقق منها، وهي استمرار حفظ جثمانه بالتبريد، واحتمال مستقبلي لم يثبت العلم إمكان تحقيقه، وهو عودته إلى الحياة.
فبيدفورد لم يعد إلى الحياة حتى الآن، لكن جسده لا يزال محفوظًا في انتظار إجابة علمية عن سؤال ظل مفتوحًا منذ عام 1967: هل يمكن للتقدم العلمي يومًا أن يجعل الموت قابلًا للعكس؟
