الوجود الإسلامي في السويد: المساجد بين الهوية الدينية والاندماج الوطني
اليوم يحتفل مسجد استوكهولم الكبير باليوبيل الفضي للافتتاح عام 2000 و لهذه المناسبة العطره نهدي المسلمين هذا البحث ليكون جزء من تاريخ الاسلام في السويد
الوجود الإسلامي في السويد: المساجد بين الهوية الدينية والاندماج الوطني
ملخص تنفيذي:
يهدف هذا البحث إلى دراسة تطور الوجود الإسلامي في السويد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مع التركيز على نشأة المساجد ودورها في تمكين الجاليات المسلمة من ممارسة شعائرها الدينية بسلام واحترام للنظام السويدي. يتناول البحث أيضًا الهجمات الإعلامية التي تطال بعض المساجد وخاصة مسجد ستوكهولم و مسجد يتبوري ( انجريد) ، و مسجد الوقف الاسكندنافي في مالمو ويقدم تحليلاً موثقًا يدحض مزاعم التسييس والتطرف لهذه المساجد و التي يقودها باحثين لهم اجنده مشبوهه ويؤكد البحث أن هذه المساجد تُمثّل نماذج حضارية للمواطنة الفاعلة والاندماج الإيجابي، وتحترم القوانين والدستور السويدي بشكل تام.
1. مقدمة: الوجود الإسلامي في السويد
رغم حداثة دخول الإسلام إلى السويد، إلا أنه تحوّل خلال عقود قليلة إلى الديانة الثانية بعد المسيحية. هذا التطور لم يكن نتيجة تحويل ديني واسع فحسب، بل ثمرة للهجرات المتنوعة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث قدم المسلمون من البلقان، تركيا، شمال إفريقيا، الشرق الأوسط، وجمهوريات آسيا الوسطى، وأسسوا نواة مجتمعاتهم عبر الجمعيات الثقافية والدينية.
وقد ضمن الدستور السويدي، منذ إقرار قانون حرية الأديان عام 1951، حرية ممارسة الشعائر الدينية، ما مهد الطريق لبناء المساجد كأحد حقوق التعبير الديني المكفولة لكل المواطنين والمقيمين.
2. المساجد في السويد: النشأة والتطور
أ. بدايات متواضعة… وتحول عمراني
كانت البداية مع قاعات مستأجرة ومصليات صغيرة، قبل أن يتطور الأمر إلى بناء مساجد بتصاميم معمارية إسلامية. أول مسجد بُنِي كان في يوتوبوري عام 1976 على يد الطائفة الأحمدية، تلاه مسجد مالمو (1982)، ومسجد ترولهتان (1986)، ثم مسجد أوبسالا (1994)، ومسجد ستوكهولم (2000). وقد رافق هذا التوسع تأسيس جمعيات محلية ثم اتحادات وطنية، مثل رابطة الجمعيات الإسلامية في السويد ( FIFS). و اتحاد مسلمي السويد و اتحاد المراكز الثقافية الاسلامية في السويد و غيرها من الاتحادات و التي اجتمعت بغالبيتها تحت مظلة المجلس الاسلامي السويدي. اما تاسيس الرابطة الاسلامية في السويد جاء متاخرا في تسعينيات القرن الماضي .
ب. مسجد ستوكهولم: نموذج المركزية الإسلامية المدنية
مسجد ستوكهولم، الذي تأسس بدعم من رجال اعمال و محسنين اماراتيين و من مسلمي السويد و غطت دولة الإمارات العربية المتحدة عبر مؤسسة زايد للأعمال الإنسانية بناء المسجد برا بالشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رحمه الله ، و يُعد اليوم أحد أكبر المساجد في شمال أوروبا. يضم المسجد مركزًا ثقافيًا ومكتبة وقاعات تعليمية ويستوعب أكثر من 2000 مصلٍ.
لم يكن بناء المسجد مجرد عملية معمارية، بل مسارًا سياسيًا وإداريًا طويلًا، أدار مفاوضاته مع بلدية ستوكهولم رئيس المجلس الإسلامي السويدي محمود الدبعي، الذي كان له دور محوري في تأمين ملكية المكان وتسليمه للرابطة الإسلامية في ستوكهولم، ضمن مسار قانوني وشفاف.
3. دور المساجد في دعم الاندماج الوطني
تلعب المساجد في السويد، وعلى رأسها مسجد ستوكهولم، أدوارًا أساسية في:
• تعليم اللغة العربية و التربية الدينية و التعريف بالاسلام لغير المسلمين وتعزيز المواطنة.
• دعم الجاليات المسلمة في التفاعل مع المؤسسات العامة.
• تنظيم برامج حوار الأديان واستقبال الزوار من غير المسلمين.
• تقديم خدمات اجتماعية مثل الزواج، الجنازات، المشورة الأسرية.
• نشر قيم التسامح والاعتدال عبر المحاضرات والدروس اليومية.
تُظهر هذه الأدوار كيف تحولت المساجد إلى مؤسسات وطنية تساهم في بناء المجتمع، لا في تفتيته.
4. تفنيد الادعاءات: هل المساجد تمثل خطراً أمنياً؟
بعض الباحثين في شؤون الاسلام السياسي و الأصوات الإعلامية والسياسية السويدية تربط – بشكل غير موثق – بين بعض المساجد والتنظيمات السياسية مثل الإخوان المسلمين أو السلفية. لكن:
• لا ترفع أي من المساجد السويدية شعارات حزبية أو دينية غير قانونية.
• لم تُسجّل أي حالة دعوة إلى العنف أو التحريض داخل المساجد الكبرى في السويد، بحسب تقارير جهاز الأمن السويدي (Säpo).
• الرابطة الإسلامية في السويد نفسها اليوم لا تعتبر امتدادًا تنظيميًا لأي جهة خارجية، وانه تم فك الارتباط و التعاون مع التنظيم الدولي للاخوان المسلمين وإنما هي اليوم تجمع إداري يخضع للقانون السويدي في تأسيس الجمعيات و تلتزم بالديمقراطية و احترام القانون السويدي وهذا مطلب العديد من القيادات الاسلامية في السويد .
حتى إن وُجد بعض الأفراد و القيادات من خلفيات إيديولوجية مختلفة داخل المساجد، فإن هذا لا يعبّر عن توجه إداري أو مؤسسي، بل هو شأن فردي محكوم بحرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريًا.
5. دور محمود الدبعي: الحضور القيادي في التأسيس الوطني
لعب محمود الدبعي، بوصفه أحد المؤسسين البارزين للعمل الاسلامي التاريخي ، دورًا محوريًا في إرساء وجود مؤسساتي منظم للمسلمين في السويد. وقد تمثل ذلك في:
• قيادة مفاوضات تأسيس مسجد اوبسالا و مسجد ستوكهولم مع البلديات و مواجهة الاعلام السلبي.
• المساهمة في تأسيس عدة مساجد ومؤسسات تعليمية إسلامية.
• الحرص على استقلالية المساجد والعمل ضمن الأطر القانونية السويدية.
• دعم مشاريع تعليمية وإغاثية وإنسانية تخدم المجتمع السويدي بجميع أطيافه.
6. الخلاصة والتوصيات
إن المساجد في السويد ليست “مناطق مغلقة” أو مؤسسات ذات أجندات سرية، بل هي مراكز دينية وثقافية قانونية، تعمل بشفافية في خدمة الجالية المسلمة والمجتمع السويدي ككل. وهي تسهم في حماية المسلمين من الانعزال والانجراف نحو التطرف، من خلال تقديم خطاب وسطي متوازن.
ب. التوصيات التي تم ايصالها للعاملين في الحقل الاسلامي
1. ضرورة الفصل بين الانتماءات الفكرية و الايديولوجية الفردية والتوجهات المؤسسية للمساجد.
2. التأكيد على دعم المساجد لتعمل بشفافية والتزام بالقانون كمساجد تحتضن المواطنة و الاندماج المجتمعي
3. تعزيز الشراكة بين المؤسسات الإسلامية والدولة السويدية في مجالات التعليم والاندماج.
4. الرد على الحملات الإعلامية بالمعلومة الدقيقة والتوثيق الرسمي.
.
