ليبيا بين معادلة الأمن والتنمية: كيف يمكن ضبط الهجرة دون خنق الاقتصاد؟
طرابلس
تعيش ليبيا اليوم على مفترق طرق حاسم في تعاملها مع ملف الهجرة غير النظامية، الذي تحوّل من قضية إنسانية إلى تحدٍّ أمني واقتصادي واجتماعي يفرض نفسه على أجندة الدولة. فبين حدود مترامية الأطراف مع ست دول إفريقية وساحل مفتوح على البحر المتوسط، تجد ليبيا نفسها في قلب حركة الهجرة نحو أوروبا، شاءت أم أبت.
لكن المفارقة أن ليبيا ليست مجرد بلد عبور كما يعتقد البعض، بل أصبحت أيضًا مقصدًا لآلاف العمال من إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يبحثون عن فرص رزق في سوق عمل يعاني من نقص الأيدي العاملة المحلية. ومع ذلك، يبقى غياب التنظيم والتقنين أحد أكبر الأسباب التي جعلت من الظاهرة معضلة مزمنة بدل أن تكون فرصة تنموية.
لقد دفع الواقع الليبي خلال العقد الأخير ثمنًا باهظًا لفوضى الهجرة غير النظامية، حيث تداخلت شبكات التهريب مع تجارة البشر والسلاح والمخدرات، وأُثقلت كاهل الدولة بأعباء اقتصادية وخدمية لا طاقة لها بها. أضف إلى ذلك ما خلّفته من توترات اجتماعية وتحديات أمنية متزايدة، خصوصًا في المناطق الحدودية.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في بعدها الأمني فقط. فالمسألة تتجاوز الحدود والأسلاك الشائكة إلى عمق الاقتصاد الليبي نفسه، الذي يعتمد بشكل ملحوظ على العمالة الوافدة، خاصة في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات. وهنا يبرز التناقض الصارخ: الحاجة إلى العمالة الأجنبية من جهة، ورفض تدفقها غير المنظم من جهة أخرى.م
من هذا المنطلق، فإن الجهود الحكومية الأخيرة لتقنين أوضاع العمالة وتنظيم دخول المهاجرين تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى رؤية شاملة تُوازن بين ضبط الحدود واحترام الكرامة الإنسانية. المطلوب ليس فقط تشديد الرقابة، بل أيضًا بناء سياسة هجرة وطنية واضحة تستند إلى تشريعات محدثة، وتستند إلى قاعدة بيانات دقيقة للعمالة الوافدة.
الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من منطق “المواجهة الأمنية” إلى “الإدارة الذكية” للهجرة. فليبيا يمكن أن تتحول من ساحة عبور فوضوية إلى نموذج إقليمي ناجح في تنظيم حركة البشر إذا ما توفرت الإرادة السياسية، والتعاون المؤسسي، والدعم الدولي المستدام.
في النهاية، لا يمكن فصل قضية الهجرة عن مستقبل الاستقرار في ليبيا. فكل جهد يُبذل لتقنين الهجرة وتنظيم العمالة هو في جوهره استثمار في أمن الدولة وتنميتها. وإذا نجحت ليبيا في تحقيق هذا التوازن الصعب بين الحاجة الاقتصادية والهاجس الأمني، فستكون قد وضعت حجر الأساس لتحول استراتيجي في إدارتها لأحد أكثر الملفات تعقيدًا في المنطقة
بالتعاون مع المركز السويدى لتنمية اللاجئين -إستكهولم