من بغداد إلى كراكاس: كيف تُدار الهيمنة الأميركية ضد الدول غير الخاضعة؟


صوفيا 

د محمد كمال علام 

رغم التباعد الجغرافي والاختلاف الظاهري في السياقات السياسية، تكشف تجارب العراق، ليبيا، كوبا، وفنزويلا عن نمط واحد متكرر في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الدول التي تخرج عن دائرة نفوذها.
فبين غزو عسكري مباشر، وتدخل دولي، وحصار طويل الأمد، وضغوط اقتصادية وعمليات غير معلنة، تتبدل الأدوات وتبقى الغاية واحدة: كسر إرادة الدول المستقلة وإعادة إخضاعها لمنطق الهيمنة.


الاستقلال السياسي: نقطة الاشتباك الأولى

لم يكن القاسم المشترك بين هذه الدول طبيعة أنظمتها السياسية، بل امتلاكها قرارًا سياديًا مستقلًا:

  • العراق تبنّى سياسة نفطية وأمنية خارج الإرادة الأميركية.
  • ليبيا جمعت بين الثروة النفطية ومشروع إقليمي أفريقي مستقل.
  • كوبا شكّلت منذ عقود نموذجًا سياسيًا خارج المنظومة الغربية.
  • فنزويلا امتلكت نفطًا ضخمًا وتحالفات دولية مناهضة للهيمنة.

تشير هذه الحالات إلى أن الاستهداف لم يكن بسبب “غياب الديمقراطية”، بل بسبب غياب الخضوع.


الموارد والقرار الاستراتيجي

في ثلاث حالات كان النفط عنصرًا مركزيًا، لكن التجربة الكوبية أظهرت أن الموارد ليست شرطًا دائمًا.
فكوبا، رغم غياب الثروة النفطية، مثّلت قيمة رمزية وسياسية خطرة داخل المجال الحيوي الأميركي في أميركا اللاتينية.

هنا يتضح أن الصراع لا يدور فقط حول الموارد، بل حول من يملك القرار ومن يضع القواعد.


النموذج المتكرر للتدخل

تكشف دراسة الحالات الأربع عن تسلسل شبه ثابت:

1. الشيطنة الإعلامية

تحويل القادة إلى رموز للشر المطلق، ونزع أي شرعية سياسية أو إنسانية عن الدولة المستهدفة.

2. العقوبات الاقتصادية

خنق الاقتصاد، ضرب العملة، إنهاك المجتمع، وخلق فجوة بين الدولة وشعبها.
وهي مرحلة لا تهدف إلى إسقاط النظام فورًا، بل إلى تفكيك العقد الاجتماعي.

3. تدويل الأزمة

استخدام شعارات حقوق الإنسان وقرارات دولية انتقائية، مع تفعيل المحاكم الدولية عند الحاجة السياسية.

4. التدخل بصيغ مختلفة

الدولة شكل التدخل
العراق غزو عسكري شامل
ليبيا تدخل جوي ودعم ميليشيات
كوبا حصار طويل الأمد
فنزويلا حصار وعمل استخباراتي

القانون الدولي: بين النص والتطبيق

في الحالات الأربع، ظهر القانون الدولي كأداة سياسية لا كمرجعية ملزمة:

  • في العراق، بُني الغزو على ادعاء ثبت بطلانه دون محاسبة.
  • في ليبيا، تحوّل تفويض “حماية المدنيين” إلى إسقاط نظام وتدمير دولة.
  • في كوبا، يستمر حصار مدان سنويًا أمميًا دون تغيير في السلوك الأميركي.
  • في فنزويلا، تُفرض عقوبات أحادية خارج أي تفويض دولي.

ما بعد التدخل: كلفة إنسانية وسياسية

  • العراق: تفكك الدولة، صراعات داخلية، نفوذ خارجي طويل الأمد.
  • ليبيا: دولة فاشلة، انقسام، اقتصاد حرب.
  • كوبا: صمود سياسي مقابل فقر مزمن وحصار إنساني.
  • فنزويلا: أزمة اقتصادية وهجرة واسعة دون انهيار النظام.

لماذا لم تُحسم فنزويلا؟

يرى محللون أن فنزويلا تمثل حالة مختلفة نسبيًا بسبب:

  1. تراجع الأحادية القطبية عالميًا.
  2. ارتفاع كلفة التدخل العسكري المباشر.

ما دفع واشنطن إلى اعتماد أدوات ضغط غير تقليدية: اقتصادية، قانونية، واستخباراتي

تكشف هذه الحالات الأربع أن النظام الدولي لا يعمل دائمًا وفق قواعد متساوية، بل وفق ميزان القوة.
فكل دولة حاولت الخروج عن الخط المرسوم، ورفضت التبعية، وامتلكت قرارها، واجهت شكلًا من أشكال العقاب.