كيف يوظّف الإعلام الإثيوبي القضية النوبية في صراع سدّ النهضة؟»



مع احتدام الخلاف الإقليمي حول مياه النيل وسدّ النهضة، لم يعد الصراع مقتصرًا على المفاوضات الفنية والسياسية، بل امتد إلى ساحات الإعلام والتاريخ والهوية. وفي هذا السياق، برز خطاب متكرر في بعض المنصات الإعلامية الإثيوبية يسعى إلى إعادة طرح القضية النوبية بوصفها مثالًا على “طمس مصري متعمّد” للهوية والحضارة الأفريقية، مستهدفًا بذلك السدّ العالي باعتباره رمزًا لهذا “الإقصاء”.

لكن قراءة متأنية لهذا الخطاب تكشف أنه لا ينطلق من اهتمام حقيقي بإنصاف النوبيين، بقدر ما يأتي في إطار توظيف سياسي للتاريخ يخدم معركة إقليمية أوسع.

النوبة بين الحقيقة التاريخية والسردية المُسيَّسة

الحضارة النوبية تُعد من أعرق حضارات وادي النيل، وقد أسهمت بشكل مباشر في تشكيل التاريخ المصري القديم، سياسيًا وثقافيًا ودينيًا. ولم تكن النوبة يومًا كيانًا هامشيًا أو منفصلًا عن مصر، بل جزءًا عضويًا من تفاعل حضاري ممتد لآلاف السنين.

غير أن بعض الخطابات الإعلامية الإثيوبية تتعامل مع النوبة كـ«حضارة مُغتَصَبة»، وتُقدّم مصر بوصفها دولة أنكرت جذورها الأفريقية، في تجاهل واضح للتداخل التاريخي العميق بين ضفتي النيل شمالًا وجنوبًا.

السد العالي: من مشروع وطني إلى أداة تشويه

يركّز هذا الخطاب على السد العالي، ويصوّره كجريمة حضارية أدت إلى “دفن تاريخ النوبة وثرواتها”.

بينما لا ينكر أحد ما ترتّب على بناء السد من تهجير قسري للنوبيين، فإن تجاهل السياق التاريخي للمشروع يُعد تشويهًا متعمّدًا:

السد العالي أنقذ مصر من فيضانات مدمرة ومجاعات محققة.

شكّل أساس الاستقرار المائي والزراعي لعقود.

رافق بناؤه أكبر حملة دولية لإنقاذ الآثار في التاريخ، بإشراف اليونسكو.

المفارقة أن المنصات نفسها التي تُدين السد العالي بحجة “حماية التراث”، تتجاهل أو تبرّر الآثار المحتملة لسدّ النهضة على المجتمعات النهرية في دول المصب.

إعلام الفتنة: كيف تُدار الرواية؟

يعتمد الخطاب الإثيوبي في هذا الملف على مجموعة من الأدوات الإعلامية، أبرزها:

الانتقائية التاريخية: اقتطاع أحداث دون ربطها بسياقها السياسي.

تفكيك الهوية: تصوير النوبة كضحية “دولة عربية” في مواجهة “أفريقيا السوداء”.

اللغة العاطفية: استدعاء المظلومية بدل التحليل الأكاديمي.

ازدواجية المعايير: إدانة سدّ قديم مقابل تلميع سدّ معاصر.

هذه الأدوات لا تستهدف إنصاف النوبيين، بل إضعاف الموقف المصري عبر ضرب تماسكه الداخلي وإعادة تأطير الصراع المائي كصراع أخلاقي وهوياتي.

بين الحق النوبي والاستغلال الخارجي

من الضروري التمييز بين الحقوق المشروعة للنوبيين  في التنمية والعودة والحفاظ على التراث  وبين الاستغلال الخارجي لقضيتهم.

فالعدالة التاريخية لا تتحقق عبر حملات إعلامية عابرة للحدود، بل من خلال سياسات وطنية عادلة وحوار داخلي صادق.

القضية النوبية ليست ورقة ضغط في صراع السدود، ولا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ومحاولات تسييس التاريخ وإعادة صياغته إعلاميًا، سواء باسم “أفريقيا” أو “الهوية”، لا تخدم الحقيقة ولا الشعوب، بل تُعمّق الانقسامات وتُفرغ القضايا العادلة من مضمونها الإنساني.