موانع الترشح لمنصب رئيس الجمهورية في جنوب السودان
بقلم الإعلامى.دأن أوبور دأن
تتناول هذه الورقة الإطار القانوني المنظم لموانع الترشح لمنصب رئيس الجمهورية في جنوب السودان، وذلك وفقاً لأحكام الدستور الانتقالي لعام 2011م المعدل، وقانون الانتخابات الوطني لعام 2012م المعدل. تهدف الدراسة إلى تقديم تحليل أكاديمي معمق للشروط الواجب توفرها في المرشح للرئاسة، والموانع التي تحول دون الترشح، مع تسليط الضوء على الإشكاليات التطبيقية التي تواجه هذه النصوص في السياق السياسي والأمني المعقد لجنوب السودان. فمنذ نيل استقلالها في عام 2011م ، لم تشهد الدولة أي انتخابات رئاسية تتيح انتقالاً سلمياً للسلطة، واكتفى الرئيس سلفا كير بتأجيل المواعيد الانتخابية مراراً، مستنداً في ذلك إلى اتفاقيات السلام المتعاقبة التي منحته شرعية استثنائية. غير أن التحضيرات الجارية للانتخابات العامة المقررة في ديسمبر 2026م تطرح مجدداً أسئلة جوهرية حول مدى كفاية النصوص القانونية الحالية لضمان نزاهة العملية الانتخابية، ومدى قدرتها على احتواء التداعيات السياسية المحتملة.
ويحدد الدستور الانتقالي في المادة (98) الشروط الأساسية للترشح، والتي تشمل أن يكون المرشح جنوب سودانياً بالميلاد، وأن يكون متمتعاً بقواهــ العقلية، وألا يقل عمرهـ عن أربعين عاماً، وأن يكون متقناً للقراءة والكتابة، وألا يكون قد أدين بجريمة تتعلق بالنزاهة أو الفساد الأخلاقي. ورغم وضوح هذه النصوص ظاهرياً، فإنها تطرح إشكاليات تطبيقية عدة فمعايير ( النزاهة الأخلاقية) و( القوى العقلية) تظل فضفاضة وقابلة للتأويل السياسي، وقد تشكل أداة بيد الجهات القائمة على العملية الانتخابية لاستبعاد خصوم أو تمرير مرشحين، خاصة في ظل غياب آليات رقابية مستقلة وفاعلة. هذا فضلاً عن أن قانون الانتخابات لعام 2012م يترك تفاصيل تنظيمية مهمة، مثل آلية البت في الطعون ومراجعة أهلية المرشحين، للجنة الانتخابات الوطنية التي تتولى هذه المهام، مما يزيد من احتمالات تسييس القرارات الانتخابية في غياب أطر واضحة وملزمة للجميع.
وتتضاعف هذه الإشكاليات في ظل البنية السياسية الفريدة لجنوب السودان التي تقوم على تقاسم السلطة بموجب اتفاقية السلام الموقعة عام 2018م ، والتي تمنح حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان – جناح الحكومة (SPLM-IG) الحق الحصري في تسمية خليفة للرئيس في حال شغور المنصب خلال الفترة الانتقالية، وذلك في غضون 48 ساعة. هذه الآلية، رغم أنها تهدف إلى ضمان الاستقرار، تتعارض روحاً مع مبادئ الانتخابات الديمقراطية التنافسية، وتجعل من عملية الترشح للرئاسة مرتبطة بتوافقات نخبوية قد تنتقص من نزاهة الانتخابات وتجعلها مجرد إجراء شكلي لتكريس أمر واقع، بدلاً من أن تكون أداة لإرادة الشعب وميداناً لتداول السلطة.
أولاً: الإطار الدستوري لموانع الترشح للرئاسة
الشروط الدستورية للترشح
نصت المادة 98 من الدستور الانتقالي لعام 2011م على مجموعة من الشروط التراكمية التي يجب توفرها في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية، وهي خمسة شروط أساسية:
أولاً: شرط الجنسية بالولادة
أن يكون المرشح من مواطني جنوب السودان بالولادة. وهو شرط يعكس البعد الوطني في تولي المنصب الأعلى في البلاد، ويعد من الشروط الأساسية التي تضمن انتماء الرئيس للهوية الوطنية الجنوب سودانية، ويستهدف منع أي تدخل خارجي في أعلى منصب سيادي في الدولة.
ثانياً: شرط الأهلية العقلية
أن يكون المرشح كامل الأهلية العقلية. وهو شرط يرتبط بالقدرة على ممارسة مهام الحكم والقيادة، ويتصل بالقدرة على اتخاذ القرارات المصيرية التي تمس مصير البلاد. غير أن هذا الشرط يثير إشكالية في التطبيق لعدم وجود معايير طبية وقانونية محددة لتقييم الأهلية العقلية، مما يجعله عرضة للتفسير السياسي، وقد يُستخدم كأداة لاستبعاد مرشحين غير مرغوب فيهم بدعاوى غير موضوعية.
ثالثاً: شرط السن الأدنى
أن يكون المرشح قد بلغ سن الأربعين عاماً على الأقل. وهو مقتضى عمراني يهدف إلى ضمان توفر النضج والخبرة اللازمة لتولي منصب الرئاسة، ويتوافق مع المعايير المقارنة في معظم الدول التي تشترط سناً متقدماً نسبياً لمنصب رئيس الدولة.
رابعاً: شرط الإلمام بالقراءة والكتابة
أن يكون المرشح متقناً للقراءة والكتابة. وهو شرط أساسي للقيام بالمهام الإدارية والدستورية الموكلة للرئيس، ويتصل بقدرته على فهم النصوص القانونية والدستورية، والتوقيع على المراسيم والقوانين، وممارسة صلاحياته الدستورية بصورة سليمة.
خامساً: شرط عدم الإدانة بجرائم الشرف
ألا يكون المرشح قد أدين بجريمة تنطوي على خيانة الأمانة أو المساس بالشرف. وهذا المانع يرتبط بالسمعة والنزاهة الأخلاقية التي يتطلبها منصب الرئيس، ويعكس حرص المشرع على ضمان توفر القدوة الحسنة في منصب القيادة العليا. غير أن صياغة هذا الشرط فضفاضة أيضاً، إذ لا يحدد القانون بدقة الجرائم التي تدخل ضمن هذه الفئة، مما يترك مجالاً واسعاً للتأويل.
ثانياً: موانع الترشح في قانون الانتخابات الوطني لعام 2012م
يكمل قانون الانتخابات الوطني لعام 2012م النصوص الدستورية المتعلقة بالترشح للرئاسة، حيث ينظم إجراءات الترشيح ويضع ضوابط إضافية تتعلق بالسلوك الانتخابي والالتزام بالقانون.
حالات إبطال الترشيح
يحدد القانون الأحكام المنظمة لعملية الترشح لمنصب الرئيس، حيث يمنح مفوضية الانتخابات الوطنية سلطة رفض طلبات الترشيح التي لا تستوفي الشروط القانونية. وتشمل حالات إبطال الترشيح وفقاً للقانون ما يلي:
· عدم استيفاء المرشح للشروط الدستورية المنصوص عليها في المادة (٩٨) من الدستور.
· تقديم طلب ترشيح غير مكتمل أو مخالف للإجراءات المحددة في القانون.
· مخالفة المرشح لأحكام القانون على نحو قد يؤثر على نزاهة العملية الانتخابية.
وتظل هذه الحالات عامة وغير مفصلة، مما يمنح المفوضية هامشاً واسعاً من التقدير قد يؤدي إلى تفاوت في المعايير المطبقة على المرشحين المختلفين.
صلاحيات مفوضية الانتخابات
تسند صلاحيات واسعة لمفوضية الانتخابات الوطنية فيما يتعلق بمراقبة الترشح وضمان استيفاء الموانع، حيث تقوم المفوضية بما يلي:
· تدقيق أوراق الترشيح والتأكد من استيفاء المرشحين للشروط القانونية والدستورية.
· نشر القائمة النهائية للمرشحين لمنصب الرئيس بعد الانتهاء من عملية التدقيق.
· إتاحة الفرصة للطعن في قرارات رفض الترشيح أمام الجهات المختصة.
وهذه الصلاحيات الواسعة، رغم ضرورتها لضمان سير العملية الانتخابية، تظل مصدر قلق في غياب محكمة انتخابية مستقلة وفاعلة، كما أشرنا في المقدمة، حيث تتركز سلطة البت في أهلية المرشحين بيد جهة واحدة قد تتأثر قراراتها بالاعتبارات السياسية.
كما ينص الدستور في المادة (١٠٢) على حالات شغور منصب الرئيس، والتي تشمل انتهاء المدة الانتخابية، والاستقالة، والعزل، والعجز العقلي أو البدني، والوفاة، مع تحديد آليات شغل هذا الشغور وفقاً للإجراءات الدستورية. وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة في السياق الانتقالي، حيث تتداخل مع أحكام اتفاقية السلام لعام (٢٠١٨).
ثالثاً: الإشكاليات التطبيقية
ومع اقتراب موعد ديسمبر 2026م ، تبرز هذه الإشكاليات بقوة، وتتجلى في ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: غياب التجربة الانتخابية
يثير غياب أي انتخابات رئاسية سابقة في جنوب السودان منذ الاستقلال تساؤلات حول مدى جاهزية المؤسسات لتطبيق هذه الموانع عملياً. فجميع عمليات تداول السلطة التي شهدتها البلاد تمت عبر اتفاقات سياسية أو آليات دستورية طارئة، وليس عبر صناديق الاقتراع، مما يجعل تطبيق شروط الترشح للمرة الأولى محفوفاً بالتحديات. فالمؤسسات القضائية والانتخابية لم تخض تجربة سابقة في البت في الطعون الانتخابية أو الفصل في أهلية المترشحين، كما أن السوابق القضائية في هذا المجال معدومة تماماً، مما يخلق حالة من عدم اليقين القانوني.
ثانياً: التعقيدات السياسية والأمنية
يمثل المشهد السياسي المعقد في جنوب السودان القائم على تقاسم السلطة بين الأطراف الموقعة على اتفاقية السلام Revitalized Agreement on the Resolution of the Conflict in South Sudan لعام 2018م تحدياً إضافياً. إذ تنص الاتفاقية على تشكيل رئاسة جماعية تتألف من رئيس، ونائب أول للرئيس، وأربعة نواب للرئيس، مما قد يحدث تعقيدات في تطبيق الشروط الدستورية للترشح في حال شغور منصب الرئيس، حيث تمنح الاتفاقية حزب الرئيس الحق في تسمية خليفة له خلال 48 ساعة. وهذا النص يتعارض مع مبدأ الانتخابات الحرة والنزيهة، إذ يجعل من عملية الترشح مرتبطة بإرادة الحزب الحاكم وليس بإرادة الناخبين، كما يكرس منطقاً نخبوياً مغلقاً ينتقص من جوهر العملية الديمقراطية.
ثالثاً: مسألة الاحتجاز والمحاكمة
يثير قانون الانتخابات إشكالية تتعلق بحالة المرشحين المحتجزين أو الخاضعين للمحاكمة، إذ لا يحدد القانون بوضوح ما إذا كان الاحتجاز أو المحاكمة يشكلان مانعاً من موانع الترشح، خاصة في ظل غياب حكم قضائي نهائي بالإدانة. وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في السياق السياسي الحالي لجنوب السودان، حيث يُحتجز عدد من الشخصيات السياسية المعارضة، وتثار تساؤلات حول مدى أحقيتها في الترشح للانتخابات المقبلة، وما إذا كانت هذه الإجراءات تستهدف تهميش خصوم سياسيين أم أنها إجراءات قانونية مشروعة. ويشكل غياب النص الواضح في هذا الشأن ثغرة قانونية قد تُستغل لأغراض سياسية.
يضع الإطار القانوني والدستوري في جنوب السودان مجموعة من موانع الترشح لمنصب رئيس الجمهورية تهدف إلى ضمان نزاهة العملية الانتخابية وكفاءة المرشحين. وتشمل الموانع خمسة شروط رئيسية وردت في المادة (٩٨) من الدستور الانتقالي، هي: الجنسية بالولادة، والأهلية العقلية، والسن الأدنى (40 عاماً)، والإلمام بالقراءة والكتابة، وعدم الإدانة بجرائم الشرف أو خيانة الأمانة. وتضاف إليها الضوابط الإجرائية الواردة في قانون الانتخابات الوطني لعام 2012م ، والتي تمنح مفوضية الانتخابات الوطنية صلاحيات واسعة في تدقيق الطلبات والبت في أهلية المرشحين.
ومع ذلك، تبرز إشكاليات تطبيقية جوهرية تتعلق بغياب التجربة الانتخابية السابقة، وتعقيدات المشهد السياسي القائم على تقاسم السلطة بموجب اتفاقية 2018م ، وعدم وضوح موقف المرشحين المحتجزين أو الخاضعين للمحاكمة، فضلاً عن معايير ( الأهلية العقلية و النزاهة الأخلاقية) التي تترك مجالاً واسعاً للتأويل السياسي. وتظل هذه الإشكاليات تمثل تحدياً حقيقياً أمام إجراء انتخابات رئاسية نزيهة وشفافة في الموعد المقرر في ديسمبر 2026، مما يستدعي معالجة هذه الثغرات القانونية والإجرائية قبل إجراء الانتخابات، وذلك من خلال:
· وضع معايير موضوعية واضحة لتقييم الأهلية العقلية والنزاهة الأخلاقية.
· استحداث محكمة انتخابية مستقلة للفصل في الطعون المتعلقة بأهلية المرشحين.
· تنظيم موقف المرشحين المحتجزين أو الخاضعين للمحاكمة بنص قانوني صريح.
· التوفيق بين أحكام الدستور واتفاقية السلام بما يضمن عدم تعارضهما مع مبادئ الانتخابات التنافسية.
فالمستقبل السياسي لجنوب السودان يتوقف إلى حد كبير على مدى نجاح هذه الانتخابات في تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي، وهو ما يستلزم إصلاحاً تشريعياً جاداً يسبق موعد الاقتراع.
الـــــمـــراجــــــــع
1 / دستور جنوب السودان الانتقالي لعام 2011م المعدل.
2 / قانون الانتخابات الوطني لجنوب السودان لعام 2012م المعدل.
3/ اتفاقية حل النزاع في جنوب السودان Revitalized Agreement on the Resolution of the Conflict in South Sudan لعام 2018م .
4/ تقارير مفوضية الانتخابات الوطنية لجنوب السودان (الأعداد المتاحة حتى 2025م ).
5/ تقارير البعثات الدولية لمراقبة الانتخابات في المنطقة (المركز الأفريقي للدراسات الانتخابية، 2024م ).
