اابتهاج العريني... سفيرة المطبخ الفلسطيني والعربي في السويد


فتحي الضبع 

على مدار أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا في السويد، استطاعت الشيف الفلسطينية ابتهاج العريني أن ترسم لنفسها مسيرة مهنية مميزة، لم يقتصر فيها الطهي على إعداد الطعام، بل تحول إلى رسالة تربوية وثقافية وإنسانية، تجمع بين الصحة والتعليم والاستدامة، وتحافظ في الوقت ذاته على أصالة المطبخ الفلسطيني والعربي.

بدأت العريني رحلتها بدراسة فنون الطهي، قبل أن تعمل شيفًا في إحدى رياض الأطفال، حيث اكتشفت شغفها الحقيقي في إعداد وجبات صحية ومتوازنة للأطفال، تسهم في بناء عادات غذائية سليمة منذ السنوات الأولى من حياتهم. ومن خلال عملها، سعت إلى تحويل كل وجبة إلى تجربة تعليمية متكاملة، تجمع بين القيمة الغذائية والمتعة والتعلم.

وترتكز فلسفتها في إعداد الطعام على أربعة مبادئ أساسية؛ أولها تقديم وجبات صحية غنية بالألياف والفيتامينات، وثانيها تقديمها بأسلوب جذاب يشجع الأطفال على تناولها، وثالثها تعزيز مفهوم الاستدامة عبر الحد من هدر الطعام، والاستفادة المثلى من المكونات، وغرس قيم المحافظة على البيئة وإعادة التدوير لدى الأطفال. أما المبدأ الرابع، فيتمثل في توظيف الوجبات كوسيلة تعليمية لدمج مفاهيم اللغة والرياضيات في أنشطة يومية ممتعة تناسب المراحل العمرية المبكرة.

وقد حظيت جهودها بتقدير واسع في السويد، حيث رُشحت أربع سنوات متتالية في مسابقة White Guide Junior ضمن فئتي أفضل شيف وأفضل مطبخ في رياض الأطفال ودور رعاية المسنين، وهو من أبرز برامج التقييم المتخصصة في جودة الوجبات المقدمة للمؤسسات التعليمية والرعائية.

كما نالت جائزة أفضل مؤثر على منصات التواصل الاجتماعي، تقديرًا لدورها في نشر الوعي الغذائي، ومشاركة تجاربها المهنية ورسائلها التوعوية مع جمهور واسع. ولم يتوقف التكريم عند هذا الحد، إذ أُنتج فيلم وثائقي يوثق رحلتها المهنية، ويستعرض مسيرتها من البدايات حتى تحقيق هذا النجاح، على أن يُستخدم في مدارس تعليم اللاجئين لإلهام الدارسين والتعريف بمهنة الطهي بوصفها مسارًا مهنيًا وإنسانيًا يحمل فرصًا كبيرة للإبداع والنجاح.

ورغم هذا الحضور المهني اللافت، تؤكد العريني أن شغفها الأكبر لا يزال مرتبطًا بالمطبخ الفلسطيني والعربي الأصيل، إذ تحرص على إحياء وصفات الأجداد، وصناعة السمن البلدي، وخبز الفرن الطيني، والطهي على الحطب، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن المطبخ التقليدي الصحي يمثل جزءًا من الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية، ويجب الحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة.

وفي الوقت نفسه، ترى أن التعرف إلى مطابخ وثقافات الشعوب المختلفة يشكل جسرًا للتواصل الإنساني، وأن المطبخ لغة عالمية تتجاوز الحدود، وتجمع الناس على قيم المحبة والاحترام والتفاهم.

وتختتم الشيف ابتهاج العريني رسالتها بالتأكيد على أن الطهي قادر على إحداث تغيير حقيقي في حياة الإنسان عندما يجمع بين الصحة، والتعليم، والاستدامة، والحفاظ على التراث، مضيفة أن المطبخ بالنسبة لها ليس مجرد مهنة، بل أسلوب حياة ورسالة تحملها بكل فخر، وتسعى من خلالها إلى بناء أجيال أكثر وعيًا، وصحةً، وارتباطًا بجذورها الثقافية.