التعديلا التشريعية في جنوب السودان بين تفكيك السلام وتمهيد الطريق للانتخابات

بقلم.دأن أوبور دأن 

تقف دولة جنوب السودان على مشارف أول انتخابات وطنية في تاريخها المقررة في ديسمبر 2026م. هذا الاستحقاق الذي طال انتظاره منذ الاستقلال عام 2011م كان ثمرة اتفاقية السلام المنشطة لعام 2018م التي أوقفت نزاعا أهليا مدمرا وأقامت حكومة انتقالية لتقود البلاد نحو الديمقراطية. غير أن الطريق إلى هذه الانتخابات كان محفوفا بالعقبات أبرزها استكمال ثلاثة معالم رئيسية حددها الاتفاق كشروط مسبقة لنجاح العملية الانتخابية وهي إجراء تعداد سكاني وطني وإقرار دستور دائم وتوحيد القوات الأمنية. ومع فشل هذه المعالم في التحقق نتيجة لغياب الإرادة السياسية وتباعد وجهات النظر بين الأطراف شهدنا تمديدا متكررا للفترة الانتقالية.

وفي خطوة جريئة شرعت حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية في جوبا خلال العام 2026م بإقرار حزمة من التعديلات التشريعية على اتفاقية السلام بهدف رئيسي هو تنقية الطريق أمام الانتخابات. تهدف هذه الورقة إلى تحليل طبيعة هذه التعديلات وفحص شرعيتها في ضوء نصوص الاتفاق واستعراض المواقف المتباينة للأطراف المحلية والدولية لتختتم بتقييم تداعيات هذا التحول على استقرار الدولة الأحدث في العالم.

مضمون التعديلات

تركز حزمة التعديلات التي تقدم بها وزير العدل مايكل ماكوي ووافق عليها البرلمان في يوليو 2026م على محورين أساسيين يمكن قراءتهما كتفكيك منهجي للمبادئ التوافقية التي قامت عليها اتفاقية السلام.

المحور الأول يتعلق بفصل الاستحقاقات الانتخابية عن شروطها الجوهرية. فبدلا من أن تكون عمليات إعداد الدستور الدائم والتعداد السكاني شروطا مسبقة للانتخابات أصبحت مهام مؤجلة لحكومة منتخبة قادمة. هذا يعني أن الانتخابات ستجرى في ديسمبر 2026م تحت مظلة الدستور الانتقالي لعام 2011م وهو وثيقة مؤقتة لم تصمم لتكون الأساس القانوني لاستحقاق وطني بهذا الحجم. وقد برر الرئيس سيلفا كير هذا القرار بأنه ضروري لتمكين المواطنين من ممارسة حقهم الديمقراطي دون مزيد من التأخير.

المحور الثاني والأكثر إثارة للجدل يتمثل في إلغاء النصوص التي تمنح اتفاقية السلام سموا قانونيا على الدستور والقوانين الوطنية وتحديدا المادتين 8.2 و 8.3. هذا التعديل الذي واجهته الحكومة في البداية بضغوط من المجتمع الدولي مما أدى إلى تراجع مؤقت يمثل تحولا جوهريا في فلسفة الاتفاق. فالاتفاق لم يعد الإطار الأعلى الذي يقيد ويوجه العملية السياسية بل تحول إلى مجرد وثيقة سياسية قابلة للتعديل كأي قانون عادي مما يفقد المعارضة ورقة ضغطها القانونية في حال مخالفة الحكومة لبنوده.

إشكالية الشرعية القانونية

يثير مسار إقرار هذه التعديلات إشكالية قانونية كبرى تتعلق بشرعيتها وتكشف عن أزمة ثقة بين الأطراف الموقعة على الاتفاق. تنص المادة 8.4 من الاتفاق بوضوح على أن أي تعديل يجب أن يتم بالتوافق بين الأطراف الموقعة ثم يصادق عليه عن طريق الآليات المحددة بما في ذلك مجلس الوزراء ولجنة المراقبة والتقييم المشتركة المعاد تشكيلها.

ما حدث عمليا هو أن الحكومة بقيادة حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان دفعت بالتعديلات عبر البرلمان بعد موافقة حكومية متجاوزة بذلك الدور الأساسي للجنة المراقبة والشركاء في الاتفاق وعلى رأسهم نائب الرئيس الموقوف رياك مشار القيادي البارز في الحركة الشعبية لتحرير السودان - المعارضة. وقد انسحب نواب الحركة الشعبية لتحرير السودان - المعارضة من البرلمان احتجاجا قبل أن يتم استبدالهم بنواب موالين لزعيم فصيل منشق مما يسلط الضوء على مدى الانقسام داخل صفوف المعارضة نفسها ويظهر كيف وظفت الحكومة هذا الانقسام لتمرير أجندتها.

واجهت الحكومة في البداية ضغوطا من السفارات الغربية والاتحاد الأوروبي التي حذرت من أن التعديلات الأحادية قد تقوض السلام. لكن مع حلول موعد الانتخابات وقرار الحكومة المضي قدما يبدو أن هذه الضغوط تراجعت أمام واقع الأمر الواقع الذي فرضته جوبا على الأرض واقتناع المجتمع الدولي بأن أي انتخابات وإن كانت ناقصة أفضل من العودة إلى مربع الصراع.

بعيدا عن الإشكاليات القانونية يكشف تحليل التعديلات عن رؤية سياسية واضحة من قبل الحكومة الحاكمة. ففي دولة تعاني من ثقافة الفائز يأخذ كل شيء حيث تتركز السلطة بشكل هائل في مكتب الرئيس فإن إجراء انتخابات دون إصلاحات دستورية شاملة لضمان التمثيل العادل وتقاسم السلطة هو بمثابة تفخيخ للعملية الانتخابية. فبدون دستور دائم ينظم توزيع السلطات ويحدد آليات التداول السلمي فإن الانتخابات قد لا تكون أكثر من أداة لتكريس هيمنة جماعة سياسية واحدة مما يزيد من احتمالية رفض النتيجة من قبل الخاسرين والعودة إلى العنف.

إن تعجيل الحكومة بالانتخابات عبر تفكيك شروطها رغم عدم استكمال توحيد القوات الأمنية يثير تساؤلات حول جاهزية الدولة لاستيعاب التنافس السياسي السلمي. الانتخابات في غياب إطار أمني موحد وغياب ثقة بين الأطراف قد تكون بمثابة شرارة تعيد إشعال فتيل الحرب الأهلية كما حذرت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان.

يمكن قراءة تعديلات جنوب السودان التشريعية كفعل سياسي ذكي من قبل الحكومة الحالية لكسر الجمود الانتقالي وفرض مسار انتخابي يضمن لها الاستمرار في السلطة عبر صندوق الاقتراع بدلا من تمديد الفترة الانتقالية في ظل معارضة دولية متزايدة. لكن هذا الإنجاز التكتيكي قد يكلف البلاد ثمنا باهظا على المدى البعيد من خلال إضعاف مؤسسة السلام بتحويل اتفاقية السلام من عقد ملزم إلى وثيقة سياسية مرنة مما يفقد الأطراف الثقة في العملية التفاوضية وتكريس الانقسام بإقصاء المعارضة الرئيسية عن عملية صنع القرار مما يعمق الشرخ السياسي ويهدد بإعادة إنتاج دورة الصراع وإنتاج شرعية هشة إذ إن إجراء انتخابات في ظل دستور انتقالي ودون إكمال تعداد سكاني يعني أن النتائج ستكون عرضة للطعن خاصة في غياب بيانات دقيقة عن الدوائر الانتخابية مما يهدد استقرار البلاد بعد عام 2026م.

في المحصلة بينما تمهد التعديلات الطريق لإجراء أول انتخابات فإنها في الوقت نفسه تخلق أرضية خصبة لأزمة شرعية وسياسية جديدة قد تكون أكثر تعقيدا من الجمود الذي حاولت كسره. مستقبل جنوب السودان مرهون بقدرة قيادتها على العودة إلى روح التوافق وإجراء إصلاحات حقيقية تضمن أن تكون الانتخابات نهاية للانتقال وبداية حقيقية للسلام والديمقراطية.